الراهن السياسي في السودان ، جذور الأزمة وسُبُل المعالجة

بقلم: مبارك دكتور
مقدمة :-
يمر السودان، بقلبه النابض في أفريقيا .بمنعطف تاريخي حاسم هو الأصعب منذ استقلاله. إن المشهد السياسي الراهن يشبه لوحة معقدة ترسمها تداخلات عميقة بين إرث ثوري، وصراعات عسكرية مدمرة، وانقسامات سياسية حادة، وانهيار اقتصادي خانق. ما بين آمال ثورة ديسمبر 2019 المجيدة التي أطاحت بنظام البشير، وكابوس الصراع المسلح الذي اندلع في أبريل 2023، تبحث الأمة السودانية عن بصيص أمل لتجاوز محنتها. سوف أوضح جزء من جذور الأزمة السياسية الحالية وتقديم رؤية لمخارج محتملة.
أولاً: تشريح الراهن السياسي (المشهد الحالي):-
سوف اذكرها في عدة في عدة نقاط أساسية:
- الهيمنة العسكرية والصراع المسلح: لم يعد المشهد مقصوراً على صراع مدني عسكري تقليدي، بل تحول إلى حرب أهلية شاملة بين طرفي السيادة السابقين: القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). هذا الصراع حول السلطة والسيطرة على موارد البلاد أدى إلى تدمير البنية التحتية، ونزوح الملايين، وارتكاب فظائع بحق المدنيين، مما جعل القضية الأمنية هي الطاغية على أي حديث سياسي.
- تفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الدولة: أدت الحرب إلى تمزيق وحدة البلاد الاجتماعية، حيث انتشرت النزعات الإقليمية والعنصرية، وسيطرت قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة، مما هدد مفهوم الدولة المركزية نفسها. مؤسسات الدولة الصحية والتعليمية والخدمية تعرضت لانهيار شبه كامل.
- غياب تمثيل سياسي موحد وفعال: المشهد المدني مشتت ومفكك. قوى إعلان الحرية والتغيير (المجلس المركزي) ومنظماتها لم تعد قادرة على تمثيل كل القوى الثورية بعد انقساماتها. ظهرت تحالفات جديدة مثل “تجميع القوى الديمقراطية. لكنها تفتقر إلى القاعدة الشعبية الواسعة والآلية الفاعلة لمواجهة التعقيدات الحالية. غياب قيادة مدنية موحدة يضعف القدرة على التفاوض مع العسكر أو التأثير على المسار السياسي.
- الانهيار الاقتصادي الكارثي: يعاني الاقتصاد السوداني من تدهور حاد، مع ارتفاع جنوني في الأسعار، وندرة في العملة الصعبة والسلع الأساسية، وتوقف معظم عجلة الإنتاج. أصبحت الأزمة المعيشية هاجسًا يوميًا لكل مواطن، مما يزيد من الاحتقان الاجتماعي ويضعف القدرة على أي حل سياسي مستدام.
- التدخلات الإقليمية والدولية: أصبح السودان ساحة لتصفية حسابات قوى إقليمية ودولية، حيث يدعم كل طرف فصيلاً ضد الآخر، مما يطيل أمد الحرب ويعقد إمكانية الوصول إلى حل سوداني خالص.
ثانياً: جذور الأزمة:
لم تظهر هذه الأزمة من فراغ، بل هي نتاج تراكمات تاريخية:
· الإرث الاستعماري: ترك الاستعمار البريطاني نظاماً إدارياً مركزياً هشاً وتفاوتاً إقليمياً كبيراً، خاصة في إقليم دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.
· هيمنة العسكر على السياسة: منذ الاستقلال، حكم السودان بشكل شبه متواصل أنظمة عسكرية، مما أضعف الحياة الحزبية المدنية وكرس ثقافة العنف وسيلة للوصول إلى السلطة.
· فشل النخب السياسية: تسببت الانقسامات الحزبية العميقة والصراعات الشخصية بين النخب المدنية في إفشال فترات الديمقراطية القصيرة (1964، 1985) ومنع بناء توافق وطني شامل.
· الاقتصاد الريعي والفساد: اعتماد الاقتصاد على موارد أولية (مثل النفط سابقاً) دون تنمية حقيقية، coupled مع انتشار الفساد النظامي، جعل الدولة عاجزة عن تلبية احتياجات مواطنيها.
ثالثاً: مقترحات للمعالجة وآفاق المستقبل:
الخروج من هذا المستنقع يتطلب مقاربة متعددة المستويات، تبدأ بإطفاء النار وتنتهي بإعادة بناء الدولة:
- وقف إطلاق النار الدائم والمشروط: يجب الضغط محلياً ودولياً لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار يرافقه آليات رقابة فعالة، وفتح ممرات إنسانية، وربط أي تقدم سياسي بالالتزام بهذا الوقف. لا يمكن لأي حوار سياسي أن ينجح تحت وطأة القصف والقتل.
- حوار سوداني – سوداني شامل: تحت رعاية دولية وإقليمية محايدة ، يجب عقد مؤتمر حوار شامل يضم:
· كل القوى المدنية (النقابات ومنظمات المجتمع المدني والنساء والشباب …إلخ ).
· المكون العسكري والأمني الموحد، بشرط الخضوع الكامل للسلطة المدنية.
· ممثلين عن الأقاليم والمجتمعات المتأثرة بالصراع لمعالجة جذور أزمة الحكم والإدارة. - بناء توافق وطني حول أسس الدولة الجديدة: يجب أن ينصب الحوار على الاتفاق على:
· الدستور: وضع دستور دائم يضمن الحقوق والحريات، ويحدد بشكل واضح العلاقة بين المدني والعسكري، ويتبنى نظاماً لا مركزياً عادلاً يحقق التوازن بين الأقاليم.
· العدالة الانتقالية: محاسبة كل مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية منذ نظام البشير وحتى اليوم، وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية.
· إصلاح القطاع الأمني: دمج كل القوات المسلحة والقوات الاخري في جيش وطني موحد تحت قيادة مدنية، يكون ولاؤه للدستور وليس للأفراد أو الجماعات. - البدء الفوري في الإغاثة وإعادة الإعمار: موازاة مع العملية السياسية، يجب بدء برامج إغاثة عاجلة وإعادة إعمار للبنية التحتية المدمرة، ودعم القطاعات الخدمية مثل الصحة والتعليم، لاستعادة ثقة المواطن في الدولة.
- عزل السودان عن الصراعات الإقليمية: عبر دبلوماسية نشطة، يجب العمل على إقناع الأطراف الإقليمية والدولية بضرورة وقف الدعم العسكري لأي من الأطراف المتقاتلة والتركيز على دعم عملية السلام.
خاتمة:
الطريق إلى استقرار السودان طويل وشائك، لكنه ليس مستحيلاً. الدرس الأهم من ثورة ديسمبر هو أن الإرادة الشعبية عندما تتوحد قادرة على تحقيق المعجزات. الخروج من الأزمة الحالية يتطلب شجاعة من النخب السياسية والعسكرية لتقديم التنازلات، وإرادة دولية حقيقية للسلام، والأهم، إصرار الشعب السوداني على انتزاع حقه في العيش بكرامة وسلام في وطن متسع للجميع. إنقاذ السودان ليس مجرد شأن داخلي، بل هو استثمار في استقرار منطقة بأكملها.




Great