السلام بين الابتذال والحقّ التاريخي

بقلم: محمد يوسف زكريا
السلام الذي بات اليوم شعارًا مستهلكًا على ألسنة الجميع، لم يكن يومًا ترفًا لغويًا ولا عبارةً قابلة للتداول بالنسبة لي. لقد كان انتظارًا قاسيًا، مُعلَّقًا على أعمارنا، ونحن نازحون ولاجئون نعيش في ما يشبه السجون الجماعية لثلاثةٍ وعشرين عامًا، تحت مرأى السودانيين والعالم. وهو ذات السلام الذي ظلّ حلمًا مؤجَّلًا لشعوب الجنوب لأكثر من أربعة عقود. وفي هذا الزمن الطويل، لم نتعلّم فقط معنى الفقد والاقتلاع وحرمان الطمأنينة، بل تعلّمنا – بوعيٍ مُرّ – كيف تُدار القضايا العادلة بوصفها سلعة سياسية، وكيف تتحوّل آلام الشعوب إلى أوراق مساومة في سوق السلطة، تُستثمر لفتح أبواب الشراكة للنخب، وتأمين رفاهها في فنادق الخارج، بينما تُترك الشعوب رهينة الجوع، والخوف، والتشظي.
إن ما يُسمّى بالعمل السياسي في السودان لم يكن، في جوهره، سوى منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الأزمة. تحالفات هشّة تُبنى على المساومة، واتفاقيات لا تُنهي صراعًا بل تعيد تدويره، ومؤتمرات تُنتج خطابًا بلا أثر، و«خرائط طريق» تُصحَّح شكليًا ليبقى الجوهر الفاسد على حاله. كتل سياسية تغيّر أسماءها وتحتفظ بوظائفها، تنقسم لتعود في هيئة جديدة، في تكرارٍ مرضيّ لا يثمر سوى المزيد من الخراب والحروب ، بينما تظلّ المعاناة الشعبية الثابت الوحيد في هذه المعادلة.
في الوقت الذي يمتهن فيه البعض هذا العبث بوصفه سياسة، نُختبَر نحن فيه كضحايا؛ نُدفع يوميًا لمواجهة جرائم متسلسلة وممنهجة ضد شعوبنا، وكرامتنا، وأراضينا، وكأن الألم شرطٌ لازم لاستمرار اللعبة.
اليوم، لم يعد لدينا ما نخسره سوى وهم الانتظار. وما تبقّى لنا هو الكدح، والوضوح، والقطيعة التامة مع إعادة إنتاج الخديعة.
- وعليه، فإن أي عملية سياسية تُعيد إنتاج النخب ذاتها بكتلها المختلفة ومكوناتها ، مهما اختلفت مسمّياتها أو تلوّنت لغتها ( قحت ، صمود ، تأسيس ، اسلاميين ، الكتلة الديمقراطية، المجلس المركزي ، حركات مسلحة ….الخ ) لتختطف سلطة الشعب هي عملية لا تفضي الي سلام بل يعيد انتاج الازمات وبالتالي مرفوضة .
- أي مسار سياسي يقوم على الإشراك أو المساومة أو التفاوض مع مليشيات الجنجويد، وقوات الدعم السريع وأعوانها، هو مسار مرفوض (لا تعامل سوي حلها وتفكيكها هذه المليشيا المجرمة ) (الجنجويد ينحل ).
- أي عملية سياسية تُشرك أو تُساوم الحركة الإسلامية بجميع فصائلها السياسية والعسكرية هي عملية مرفوضة.
- أي عملية تُفضي إلى إشراك المؤسسة العسكرية في السياسية/ الحكم أو إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب هي عملية مرفوضة، لأن العسكر ليسوا أداة للحل، بل أحد الجذور البنيوية للأزمة. ” يجب اعادتها لسكناتها ووظيفتها المختصرة في الامن والدفاع عن مؤسسات الدولة “.
- كما أن أي حلول تُفرض من الخارج، باسم القوى الإمبريالية، بمعسكراتها الغربية أو الشرقية، أو عبر مؤسساتها الإقليمية والدولية بما فيها عبر عملائها الداخليين من جيش الكمبرادورت وكتلها السياسية المختلفة المختطفة صوت السودانيين ، هي حلول مرفوضة جملةً وتفصيلًا.
- أي عملية سياسية لا تنتهي بقرار واضح وحاسم لتأسيس جيش وطني واحد، يضم جميع الوحدات المسلحة بما فيها الحركات المسلحة ، ويخضع لقيادة مدنية وعقيدة وطنية خالصة، هي عملية مرفوضة، لأنها تُبقي السلاح خارج الدولة، وتُبقي الدولة رهينة للسلاح.
- لا سلام من دون خارطة طريق واحدة، ومشروع وطني شاملة، تُخاطب جذور الأزمات المتراكمة لا أعراضها.
- لا سلام من دون محاسبة عادلة ، وفق منطق العدالة التاريخية، لكل من أجرم في حق السودانيين منذ عام 1821، أحياءً كانوا أم أمواتًا؛ فالتاريخ لا يسقط بالتقادم، والجرائم لا تُمحى بالموت.
- لا سلام من دون إعادة الاعتبار لشعب جنوب السودان ودولته، الاعتبار الانساني والقانوني والوطني لجميع شعبها وبناء علاقة جديدة تقوم على مبدأ الوحدة في التنوع وخلق المناخ الملائم لعودة جنوبنا لحضن الوطن السودان الواحد طوعياً .
- لا سلام من دون تفكيك نخب ما بعد الاستعمار بجميع أشكالها ومؤسساتها ، ووكلاء الاستعمار الجديد، ومؤسساتها سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
- لا سلام دون تفكيك وابعاد الهوية الاسلامية العربية المفروضة علي الدولة واعادة السودان لهويته الافريقية السوداء الجامعة لكل السودان بتنوعهم الثقافي والاجتماعي والاثني .
- لا سلام من دون مشروع وطني جامع، يُعيد تأسيس الدولة الوطنية بشروط السودانيين ” السودان دولة وطنية حديثة بنيوياً وادائياً يقف علي مسافة متساوية من جميع السودانين علي اختلاف ثقافاتهم واثنياتهم ولغاتهم وتاريخهم المختلفة ، وعلى قاعدة وحدة السيادة وعدالة الانتماء.
- إن على السودانيين أن يستعيدوا دروس التاريخ، وأن يُنتجوا حلول أزمتهم بأيديهم، بعيدًا عن مصالح النخب وابتزاز الخارج. فكل سلامٍ عاجل لا يراعي هذه الأسس ليس سوى سلامٍ هشّ، لا يُنهي الحرب بل يؤجّلها.
حرب 15 أبريل: السياق والوظيفة
في تقديري لطبيعة حرب الخامس عشر من أبريل، وهو تقدير يتقاطع مع رؤى العديد من المحللين النابغيين بمجال تشخيص الحروب ، فإن هذه الحرب لا يمكن فهمها بوصفها صراعًا داخليًا معزولًا، بل هي حرب وكالة دولية شُنّت على كيان الدولة السودانية وشعبها، بغرض تسييل الدولة، وتفتيتها، وتقويض سيادتها، ضمن صراع المصالح الإمبريالية بمعسكراتها المختلفة.
وقد نُفّذت هذه الحرب عبر وكلاء داخليين: من جهة المؤسسة العسكرية + قوات الرديف بوصفها تعبيرًا عن دولة ما بعد الاستعمار بشراكة وكلاء اقليميين اهمها ( مصر ، السعودية ، تركيا ) ، ومن جهة أخرى مليشيات الجنجويد وحلفائها كأدوات عسكرية صنعت خصيصاً لهذه الغرض منذ عقود بوساطة شركاء اقليميين ( الامارات ، كنينا ، اثيوبيا ، تشاد …الخ ) ، وبمساندة طبقة من الكمبرادور المدنيين، من قوى سياسية متعدّدة المشارب، توحّدها الوظيفة وإن اختلفت الشعارات ( تأسيس ، صمود ، محايدين حركات مسلحة / احزاب / NGOs ) .
على مدى ثلاثة أعوام، لم تُنتج هذه الحرب أي مصلحة للشعب السوداني، بل جرت فقط لتنفيذ مخططات من أشعلوها، عبر التنكيل بالسودانيين، واستنزافهم، وتحويل الدولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
الخاتمة
السلام الذي نريده ليس هدنة بين قتلة، ولا تسوية بين نخب، ولا صفقة تُدار فوق جماجم الضحايا. السلام الذي نريده هو فعل تحرّر، وقطيعة تاريخية مع دولة العنف، وبداية تأسيس لدولة وطنية عادلة. سلام يُنتَج من داخل المجتمع، لا يُستورد، ويُفرض بإرادة الشعوب، لا بإملاءات الخارج.
وإلى أن يتحقق ذلك، فإن استعجال السلام ليس حكمة، بل تواطؤ صريح مع حربٍ مؤجَّلة.
ذلك هو السلام الذي يستحق أن يُنتظر… أو يُنتزع.
وشعبنا “الباسل عبر التاريخ” قادر علي صناعة هذا السلام اجلاً ام اجل .
13- Feb- 2026



