السلطة الرمزية التاريخية ولعبة الأدوار في الهامش

Historical Symbolic Power and Role Dynamics in the Periphery
بقلم: نجم الدين خميس (نجم)
تُظهر التجربة السياسية في السياقات متعددة الأقاليم أن الأزمات الممتدة لا ترتبط فقط بتبدّل الحكومات أو تغيّر الفاعلين، بل بالبنية العميقة للسلطة وآليات توزيعها عبر الزمن. ففي بعض السياقات يتشكل نمط يمكن توصيفه بـ السلطة الرمزية التاريخية؛ وهو نفوذ يستند إلى شرعية تأسيسية أو امتياز متراكم عبر الزمن، ويستمر تأثيره حتى مع تغيّر الأطر الدستورية أو السياسية.
وفي المقابل، تظهر داخل بعض الأقاليم ديناميات يمكن وصفها بـ لعبة الأدوار في الهامش، حيث يُدمج أفراد من المناطق الطرفية في مواقع ظاهرة داخل السلطة دون امتلاك تأثير حقيقي على مراكز القرار الاستراتيجية. هذا النمط يمنح شعورًا بالمشاركة، لكنه لا يغيّر هيكل السلطة المركزي، بل يعيد إنتاجه بصورة مختلفة.
ينتج عن ذلك مسار دوري يتم فيه تبديل الوجوه أو إعادة توزيع المواقع دون انتقال فعلي إلى نظام مؤسسي قائم على الشفافية وتداول المسؤوليات والمساءلة. وهنا لا تكمن المشكلة في الأفراد، بل في تصميم البنية السياسية نفسها.
ومن منظور تحليلي حديث، يمكن تفسير هذه الظاهرة عبر أدوات تحليل الشبكات السياسية التي تنظر إلى السلطة باعتبارها شبكة مترابطة من مراكز التأثير. فإذا ظلت العقد المركزية مهيمنة على تدفق القرار، فإن تغيير الأطراف لا يؤدي إلى تحول بنيوي حقيقي.
ويستمر هذا النمط في ظل غياب ثلاثية التحول:
• الانتقال من الشخصنة إلى المأسسة.
• الانتقال من التمثيل الرمزي إلى المشاركة المؤثرة.
• الانتقال من الشرعية التاريخية إلى الشرعية المؤسسية.
إن تجاوز هذه الحلقة لا يمكن أن يتحقق عبر حلول جزئية، بل عبر حوار سوداني–سوداني شامل يعالج الجذور البنيوية للأزمة التاريخية ، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس المواطنة المتساوية، والقواعد الدستورية الواضحة، والشفافية المؤسسية.
فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على تبديل الأدوار داخل البنية القديمة، بل على إعادة تصميم البنية نفسها بحيث تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد، وتصبح القواعد هي المرجعية العليا، لا الاعتبارات الرمزية أو التوازنات المؤقتة.
وتقوم عملية المعالجة على ثلاث ركائز أساسية:
. الاعتراف بالتاريخ دون تحويله إلى امتياز دائم، بحيث يُفهم الماضي كخبرة وطنية مشتركة، لا كأداة لإعادة إنتاج النفوذ.
. بناء مؤسسات مستقلة تحكمها القواعد لا الأشخاص، لضمان استقرار القرار وحياده واستمراريته.
. ترسيخ الشفافية والمساءلة كآليات دائمة لإدارة السلطة، بما يعزز الرقابة المجتمعية ويمنع إعادة إنتاج الأزمات داخل النظام نفسه.
وعلى هذه الأسس يمكن الانتقال من منطق السلطة الرمزية إلى منطق الدولة المؤسسية، ومن لعبة الأدوار إلى المشاركة الفعلية، ومن إدارة التوازنات إلى بناء نظام مستدام قائم على العدالة والمساءلة. عندها فقط يصبح التحول السياسي انتقالًا بنيويًا حقيقيًا، لا مجرد إعادة توزيع داخل الإطار ذاته.



