مقالات الرأي

السودانيون في الدول المجاورة وأوروبا: هل يصنع المنفى التغيير أم يؤجله؟

بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )

في أعقاب ثلاث سنوات من الحرب المريرة التي مزقت السودان، أصبح ملايين السودانيين يعيشون في الشتات، منتشرين بين دول الجوار مثل مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان، وبين عواصم أوروبا من برلين إلى باريس ولندن. هؤلاء المنفيون ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات النزوح – التي تتجاوز الـ10 ملايين – بل هم قوة بشرية حية، تحمل في طياتها طاقة التحول أو خطر الذوبان في المنفى.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن لهذا الشتات أن يصنع تغييرًا جذريًا في الوطن، أم أنه مجرد تأجيل مؤقت لعودة إلى الواقع المأزوم نفسه؟
الشتات السوداني: حجم الأزمة وديناميكياتها
أدت الحرب بين الجيش والدعم السريع إلى أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يعيش نحو 8 ملايين سوداني داخليًا و2 مليون خارج الحدود. في دول الجوار، يواجهون ضغوطًا هائلة: مصر تستضيف أكثر من مليون، تشاد تئن تحت وطأة 700 ألف، وجنوب السودان يعاني من تدفقات جديدة. هؤلاء يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، يواجهون التمييز والفقر، ويحافظون على روابطهم بالداخل عبر التحويلات المالية التي بلغت مليارات الدولارات سنويًا.
أما في أوروبا، فقد وصل عشرات الآلاف عبر طرق المتوسط الخطرة، مدفوعين باليأس من انهيار الدولة. هناك، يندمج بعضهم في مجتمعات المهاجرين، يتعلمون اللغات، ويبنون شبكات دعم، لكنهم يصطدمون بالعنصرية والقوانين الصارمة للجوء.
هذه الديناميكية ليست جديدة؛ فقد شهد السودان شتاتًا سابقًا في سبعينيات المهجر الاقتصادي وتسعينيات الحروب، لكن الشتات الحالي أكبر حجمًا وأعمق تأثيرًا، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الذي يربط المنفيين بالداخل فوريًا.
إمكانيات التغيير: من المنفى إلى القيادة
يحمل الشتات السوداني رصيدًا هائلًا يمكن أن يصنع تغييرًا حقيقيًا. أولاً، المهارات: المهندسون والأطباء والمعلمون والناشطون الذين فروا إلى أوروبا والجوار اكتسبوا خبرات جديدة في الاندماج والتنظيم، ويمكنهم نقلها إلى السودان عند السلام.
ثانيًا، الوعي السياسي: حملات الشتات عبر فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) ساهمت في تعبئة الرأي العام داخليًا، كما في دعم الاحتجاجات ضد الاستبداد.
ثالثًا، الاقتصاد: التحويلات المالية تدعم ملايين العائلات، ويمكن توجيهها نحو مشاريع إعادة إعمار.
تاريخيًا، صنع المنفى قادة؛ فالمهدي والميرغني بنوا حركاتهم من الخارج، وفي الثورة السودانية 2019، لعب السودانيون في الخارج دورًا في الضغط الدولي. اليوم، مجموعات مثل “السودانيين حول العالم” تنظم حملات للمساعدات والضغط على الأمم المتحدة، مما يشير إلى إمكانية تحول الشتات إلى قوة سياسية منظمة.
مخاطر التأجيل: الذوبان والانفصال
لكن المنفى يحمل مخاطر التأجيل أيضًا.
في دول الجوار، يغرق الكثيرون في البقاء اليومي، يفقدون الاتصال بالداخل تدريجيًا. في أوروبا، يندمج البعض في المجتمعات الجديدة، يتزوجون محليًا، ويصبحون مواطنين، مما يؤدي إلى “فقدان الجيل الثاني” للهوية السودانية. التمييز يفاقم الأمر: السودانيات في ألمانيا يواجهن عنصرية يومية، والشباب في مصر يعانون من الاعتقالات التعسفية.
دون تنظيم، يتحول الشتات إلى “شتات منفصل”، يدعم الداخل ماليًا لكنه لا يؤثر سياسيًا. استمرار الحرب يعمق هذا الانفصال، إذ يفقد المنفيون الأمل في العودة، ويصبح الوطن ذكرى بعيدة. إحصاءات الأمم المتحدة تشير إلى أن 70% من اللاجئين لا يعودون إلا بعد عقود، وفي حالة السودان، قد يستمر الصراع إلى أجل غير مسمى.
الطريق إلى التغيير: تنظيم وجسور
لصناعة التغيير بدل تأجيله، يحتاج الشتات إلى استراتيجية.
أولاً، بناء مؤسسات شتاتية ديمقراطية تربط الجوار بأوروبا، مثل لجان لإعادة الإعمار والضغط الدبلوماسي.
ثانيًا، برامج تدريبية لنقل المهارات، بالشراكة مع منظمات دولية.
ثالثًا، حملات إعلامية توحد الشتات حول رؤية مشتركة: سودان فيدرالي، اقتصاد متنوع، عدالة انتقالية.
السودانيون في الخارج ليسوا ضحايا سلبيين؛ هم يصنعون اليوم مشاريع تعليمية في تشاد، ويحتجون في لندن، ويبنون شبكات أعمال في دبي. إذا تحول هذا الجهد إلى حركة موحدة، فإن المنفى سيصبح محرك تغيير، لا مجرد ملاذ مؤقت.
في الختام، لا يؤجل المنفى التغيير إلا إذا سمحنا له بذلك. السودانيون في الدول المجاورة وأوروبا يملكون الطاقة والمهارات لإعادة تشكيل الوطن، لكن ذلك يتطلب قيادة جريئة وجسورًا قوية مع الداخل. اليوم، أكثر من أي وقت، حان وقت تحويل الغربة إلى قوة بناء، قبل أن تتحول إلى نهاية تاريخية.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x