السودان: إتفاقية بناء الثقة.. الطريق إلى سلام دائم

بقلم: عبدالعزيز زكريا (الحلو)
بعد سنواتٍ طويلةٍ من الحروب والصراعات المسلحة، والانقسامات السياسية التي تجاوزت حدود الخلاف الإداري إلى شرخٍ عميق في النسيج الاجتماعي، وبعدما أصبحت القبلية سيفاً مسلطاً على وحدة الوطن، وبات المواطن السوداني يعيش في خوف دائم من غدٍ لا يُعلم ما يخبئه، صار من الواضح أن السودان لم يعد يحتمل المزيد من اتفاقيات وقف إطلاق النار المؤقتة، أو الهدنات الهشة التي تنهار عند أول اختبار. إن ما يحتاجه السودان اليوم، بل وما طال انتظاره، هو اتفاقية شاملة ومتكاملة لبناء الثقة بين جميع الأطراف المتحاربة، اتفاقية لا تقتصر على إسكات البنادق، بل تمتد لعقد كامل من الزمن، لتكون بمثابة خارطة طريق حقيقية لعقد سلام دائم، وتأسيس دولة مستقرة تقوم على أسس المواطنة والعدالة والمساواة، وتضع حداً نهائياً لثقافة الإقصاء والهيمنة التي أوصلت البلاد إلى هذا الهاوية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية في السودان، وفي كثير من دول العالم التي مرت بحروب أهلية، أن إسكات المدافع لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، فالجروح تبقى مفتوحة طالما لم تُعالج أسبابها العميقة. فالحروب التي نشبت في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، ومناطق الشمال، لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج تراكمات من التهميش السياسي، والحرمان الاقتصادي، والظلم الاجتماعي، واستئثار مجموعة دون أخرى بالسلطة والثروة، وإقصاء الآخرين على أساس الجهوية أو الانتماء القبلي أو اللون. لذلك، فإن وقف إطلاق النار مهما كان شاملاً، سيظل مجرد إجراء وقتي إذا لم تتبعه خطوات جادة لمعالجة الجذور التي أوجدت الحرب، وأولى هذه الخطوات وأهمها هي بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، ليس على سبيل المجاملة أو التنازل المؤقت، بل كعملية سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية متكاملة، تهدف إلى تفكيك دوائر الخوف والشك المتبادل، وإعادة الاعتبار للإنسان السوداني كمواطن كامل الحقوق بغض النظر عن انتمائه.
إن رحلة بناء الثقة تبدأ بخطوة أولى وحاسمة، وهي التوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، لا يترك مجالاً للالتباس أو التفسيرات المنحازة، بل يكون واضحاً وقاطعاً، وتُسنّ له آليات رقابية قوية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لضمان التزام جميع الأطراف به. ولا يمكن لهذا الوقف أن ينجح دون فتح ممرات إنسانية آمنة ودون قيود، تسمح بوصول الغذاء والدواء والماء والإغاثة إلى كل المناطق المتضررة، خاصة تلك التي حوصرت لسنوات، وأصبح سكانها يعانون من مجاعة ممنهجة وانهيار كامل في الخدمات الأساسية. وإلى جانب ذلك، لا بد من وضع قواعد صارمة لحماية المدنيين، تمنع استهدافهم في أي ظرف، وتجرم كل أشكال العنف الموجه ضدهم، سواء كان فردياً أو جماعياً. كما أن معركة بناء الثقة لا تكتمل دون حظر شامل ومتجذر لخطاب الكراهية والتحريض الإعلامي والقبلي والجهوي، ذلك الخطاب الذي غذّى الانقسامات لعقود، وحوّل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى سبب للاقتتال. فلا يمكن الحديث عن وطن موحد في ظل منابر تكرس الكراهية وتدعو إلى التمزيق، إذ يصبح الإعلام عندئذ سلاحاً لا يقل فتكاً عن السلاح الناري.
غير أن وقف إطلاق النار، مهما كان مثالياً، يظل مجرد بوابة للدخول إلى مرحلة أكثر تعقيداً وأهمية، وهي مرحلة تقاسم السلطة على أساس المواطنة، لا على أساس الولاءات الجهوية أو القبلية أو الحزبية الضيقة. فالدولة السودانية التي قامت طوال عقود على هيمنة النخب المركزية، وتهميش الأقاليم، واحتكار مؤسسات الدولة من قبل فئة محدودة، لا يمكنها أن تستمر، لأنها ولدت مقصية، وعاشت مستبدة، وماتت في النهاية منهكة. لذا، لا بد من تشكيل حكومة انتقالية قومية حقيقية تضم جميع الأقاليم، وتكون مرآة عاكسة لتنوع السودان الثقافي والجغرافي والسياسي. توزيع المناصب السيادية والتنفيذية يجب أن يتم وفق معايير الكفاءة المهنية أولاً، مع مراعاة التوازن الإقليمي العادل، بحيث يشعر كل سوداني أن له نصيباً في إدارة بلده، وألا يظل أي إقليم أو قبيلة أو مجموعة في موقع المتفرج على قرارات تخص مصيره. ولضمان الاستمرارية والاستقرار، لا بد من اعتماد دستور مؤقت يضمن الحقوق والحريات الأساسية، ويكون بمثابة عقد اجتماعي جديد يُلزم الجميع، حكاماً ومحكومين، ويضع حداً للعبث بمقدرات البلاد باسم الفوضى الخلاقة أو الشرعية الثورية.
ومع ذلك، تظل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية هي المحور الأكثر حساسية في أي اتفاقية بناء ثقة، فالسودانيين الذين أُريق دماؤهم، وشُرّدت أسرهم، وسُلبوا بيوتهم وأرزاقهم، لا يمكنهم أن ينسوا أو يتناسوا دون جبر حقيقي لجراحهم. فلا سلام دون عدالة، ولا مصالحة دون اعتراف بالخطأ وإنصاف المتضررين. لذلك، لا بد من إنشاء مفوضية مستقلة ونزيهة للعدالة والإنصاف، تتولى توثيق جميع الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت من كافة الأطراف المتحاربة، وتصنيفها وفقاً للقانون الدولي والقوانين الوطنية، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب لأي كان، مهما كان موقعه أو نفوذه. ولكن العدالة وحدها لا تكفي، فلا بد من تعويض الضحايا والمتضررين، مادياً ومعنوياً، وإعادة الاعتبار لهم ولأسرهم، وتأهيلهم للاندماج في المجتمع الجديد. وإلى جانب المسار القانوني، يبقى الطريق المجتمعي للمصالحة مهماً وضرورياً، من خلال تشجيع الحوارات المجتمعية بين القبائل والجماعات المختلفة، وإحياء قيم التآخي والعفو والتسامح التي كانت سائدة في السودان القديم، قبل أن تفسدها السياسات الاستبدادية والمواقف المتعصبة.
ولا يمكن الحديث عن دولة مستقرة دون إعادة هيكلة جذرية للقوات النظامية، فالجيش السوداني، الذي ظل لسنوات لاعباً رئيسياً في الصراعات السياسية، بل وفي الحروب الأهلية نفسها، يحتاج إلى مراجعة شاملة لدوره وهيكله وتركيبته. لابد من جيش وطني مهني واحد، يمثل جميع السودانيين بكل أعراقهم ومناطقهم، يكون ولاؤه للوطن وللدستور، لا للحكومات المؤقتة أو للأفراد. وهذا يستلزم عملية دمج للحركات المسلحة والقوات المتحاربة في مؤسسة عسكرية واحدة، وفق معايير مهنية واضحة وعادلة، تضمن أن يكون الجميع شركاء في الدفاع عن الوطن، لا خصوماً في اقتتال داخلي. وبالتوازي مع ذلك، يجب إبعاد المؤسسة العسكرية تماماً عن الصراعات السياسية، وحصر السلاح بيد الدولة باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للقوة، وألا يكون هناك أي فصيل أو جماعة مسلحة خارج إطار المؤسسة الوطنية، لأن تعددية السلاح هي أصل الفتنة واستمرارها.
ثم تأتي قضية العدالة في توزيع الثروة والتنمية، وهي القضية التي كانت شرارة الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ولا تزال تمثل العقدة الأكبر في أي حل سياسي. فالسودان غني بموارده الزراعية والمعدنية والبشرية، لكن الثروة ظلت تتركز في العاصمة وبعض المراكز الحضرية، بينما تعاني مناطق الإنتاج من الفقر المدقع، وانعدام الخدمات الأساسية، وتخلف البنية التحتية، بل وتُستخدم ثرواتها لتغذية حروب ضدها. لذا، يجب أن تتضمن اتفاقية بناء الثقة تخصيص نسب عادلة من الموارد للأقاليم المنتجة، بحيث تشعر كل منطقة بأنها تنعم بخيرات أراضيها، وألا تكون مجرد ممر للثروات إلى خارجها. ومن الضروري إنشاء صندوق قومي خاص لإعمار مناطق الحرب، يكون شفافاً ومدراً للدخل، ويُستثمر في إعادة بناء المدارس والمستشفيات وشبكات الطرق والمياه والكهرباء، وفي تنفيذ مشروعات تنموية متوازنة تعيد للحياة بريقها في كل مناطق السودان، وتكسر الاحتكار التنموي القديم للمركز.
وتظل قضية عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم من أكبر التحديات الإنسانية والوطنية التي تواجه السودان، فالملايين شُرّدوا قسراً من قراهم ومدنهم، وعاشوا سنوات طويلة في خيام ومخيمات أو في منافي خارجية، بلا أمل في العودة. ولنجاح أي اتفاق سلام، لا بد من ضمان العودة الطوعية والآمنة لهم، مع إعادة الأراضي والممتلكات التي نهبت أو سُلبت إلى أصحابها الشرعيين، وإقرار آليات قانونية تحمي هذه الحقوق وتعيدها لأهلها. ولا يمكن للعائدين أن يستقروا دون توفير الخدمات الأساسية في مناطق العودة من مياه وصحة وتعليم وطرق، إلى جانب برامج تعويض عادلة تعينهم على ترميم حياتهم، وتعوضهم عن سنوات الحرمان والنزوح واللجوء التي أفقدتهم كثيراً من عمرهم وجهدهم.
وفي مواجهة التحدي الأعمق، يكمن خطر العنصرية وخطاب الكراهية الذي تغلغل في وجدان المجتمع ووسائل الإعلام والخطاب السياسي، حتى أصبح البعض ينظر إلى الآخر على أنه عدو أو دخيل أو أقل حقوقاً. وهذا يتطلب تدخلاً تشريعياً وتربوياً وإعلامياً متكاملاً، حيث يجب سن قوانين صارمة تجرم التمييز العنصري والإثني والجهوي، وتضع عقوبات رادعة لكل من يحرض على الكراهية أو يدعو إلى التفرقة. وفي الوقت نفسه، لا بد من إدراج قيم المواطنة والتسامح والتنوع الثقافي في المناهج التعليمية، منذ المراحل الأولى، حتى ينشأ الأطفال على حب الآخر واحترام اختلافه، لا على الخوف منه أو كراهيته. كما ينبغي دعم الإعلام الوطني المستقل الذي يعزز الوحدة والتعايش، ويبث رسائل إيجابية عن التنوع السوداني، بدلاً من تغذية النعرات، وتشجيع التبادل الثقافي والفني والأدبي بين مختلف مكونات السودان، لأن الثقافة هي الجسر الأقوى لعبور هوة الانقسام.
كما أن تجربة السودان مع نظام الحكم المركزي أثبتت فشلها الذريع في إدارة التنوع واحتواء مطالب الأقاليم، لذلك لا بد من التوجه نحو نظام فيدرالي حقيقي، يمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الاحتفاظ بالسلطات السيادية للدولة المركزية في الدفاع والسياسة الخارجية والنقد. وتُنتخب الحكومات الإقليمية بصورة مباشرة من قبل شعوبها، لتكون معبرة عن إرادتها وخاضعة لمساءلتها، مع توزيع السلطات والموارد بين المركز والأقاليم بصورة عادلة وشفافة، وضمان مشاركة كل المناطق في صنع القرار الوطني عبر مؤسسات تشريعية واستشارية تمثل الجميع، لا عبر تراتيبية بيروقراطية تهمش الأطراف.
وفي قلب أي مشروع نهضوي، تأتي التنمية البشرية والتعليم باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء الإنسان السوداني القادر على حمل مشروع السلام والتنمية. فلا يمكن لدولة أنهكتها الحروب أن تنهض دون استثمار جاد في البشر، لذلك لا بد من إعلان مشروع قومي طموح لمحو الأمية، يطال كل القرى والأرياف والمدن، إلى جانب زيادة الإنفاق على التعليم والصحة بشكل غير مسبوق، لأن الصحة الجيدة والعقل المتعلم هما عماد المجتمع المنتج. كما ينبغي تأهيل الشباب، الذين يشكلون النسبة الأكبر من السكان، وتوفير فرص عمل واسعة لهم عبر مشروعات إنتاجية صغيرة ومتوسطة، وحرفية وتقنية، ودعم الجامعات ومراكز البحث العلمي في كل الأقاليم، حتى تتحول من مراكز للتعليم النظري إلى منارات للابتكار والتنمية وحل المشكلات الوطنية.
ولكن، كم من اتفاقيات وُقّعت في السودان ثم انهارت بسبب غياب آليات التنفيذ والرقابة والمتابعة! لذلك، لا بد من إرساء ضمانات قوية وآليات تنفيذ واضحة، عبر تشكيل مجلس وطني مستقل لمتابعة تنفيذ الاتفاقية، يضم ممثلين عن الأطراف المتحاربة والمجتمع المدني والنساء والشباب والقيادات الأهلية، وتكون له صلاحيات حقيقية في التقييم والمحاسبة. وتُجرى مراجعة دورية شاملة كل عام لقياس التقدم ومعالجة الثغرات، مع إشراك كامل للمجتمع المدني ومنظمات النساء والشباب، لأنهم الضامن الحقيقي لاستمرارية السلام واستدامته. كما ينبغي الحصول على ضمانات إقليمية ودولية واضحة لحماية الاتفاقية من أي محاولة انقلابية عليها، عبر دعم سياسي واقتصادي وقانوني، وإرادة جماعية من المجتمع الدولي والإقليمي لضمان عدم تكرار سيناريو انهيار السلام في السودان.
إن بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة ليس تنازلاً يقدمه طرف لآخر، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل السودان كله، ليس لصالح فئة دون أخرى، بل لمصلحة كل السودانيين، حاضرهم ومستقبلهم. فالدول لا تنهض بالحروب المستمرة ولا بالانتقام المتبادل، وإنما تنهض عندما يشعر كل مواطن، في أقاصي الشمال وجنوبه وشرقه وغربه، أن له مكاناً متساوياً في وطنه، وأن حقوقه مصانة، وأن السلطة والثروة والفرص ليست حكراً على فئة دون أخرى، بل هي حق لكل سوداني بحكم المواطنة لا بحكم الجهة أو القبيلة أو اللون. وعلى مدى عشر سنوات من الالتزام الجاد والصادق بهذه الاتفاقية، يمكن للسودان أن يتحول من دولة أنهكتها الحروب والصراعات إلى دولة مستقرة موحدة مزدهرة، يتعايش فيها الجميع على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون، وتكون تجربته مثالاً يحتذى به في منطقة تعج بالصراعات.
وبعد سنوات من الالتزام الحقيقي بهذه المبادئ، يبدأ السودان في جني ثمار السلام الذي لم يكن مجرد غياب للحرب، بل حضوراً فعلياً للعدالة والاستقرار والأمل. ستتحول مناطق النزاع السابقة إلى مراكز إنتاج وتنمية، وتعود الحياة تدريجياً إلى القرى والمدن التي أنهكتها المعارك، وتزدهر الأسواق، وتنتعش الزراعة، ويُفتتح المصانع، وتُعاد الخدمات التي انقطعت لعقود. وسيكبر جيل جديد لم يعرف صوت الرصاص كما عرفه آباؤه، بل تعرف على صوت المدرسة والمعلم والكتاب والعمل والحياة الطبيعية، جيل يؤمن بالسلام لا بالسلاح، ويؤمن بالحوار لا بالحرب، وبالمواطنة لا بالقبلية. وسيبدأ الاقتصاد في التعافي تدريجياً، مدفوعاً بالاستقرار السياسي وعودة الثقة في المستقبل، وتدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية، واستثمار موارد السودان الهائلة – الزراعية والمعدنية والبشرية – لصالح جميع أبنائه، لا لفئة محدودة، وتوزيع عوائدها بعدالة تضمن للجميع نصيباً في الخير الوطني. ومع ترسيخ الحكم الرشيد ومبادئ الشفافية والمحاسبة، ستتراجع معدلات الفساد التي كانت آفة الدولة لسنوات، وتصبح مؤسسات الدولة أكثر نزاهة وخضوعاً للمساءلة، ويستعيد المواطن ثقته في دولته ومؤسساتها.
اجتماعياً، ستنمو ثقافة جديدة قائمة على قبول الآخر والتعددية والتنوع، حيث يدرك السودانيون أن اختلافهم ليس سبباً للصراع بل مصدر قوة وغنى وتكامل. وستلعب المدارس والجامعات والإعلام والمؤسسات الثقافية دوراً محورياً في ترسيخ هذه القيم، مما يعزز وحدة وطنية حقيقية قائمة على الوعي والإدراك، لا على الشعارات الجوفاء أو الانتماءات الضيقة. وسيختفي تدريجياً التصنيف الجغرافي والقبلي للناس، ليحل محله التصنيف الوطني الجامع، فيصبح السودانيون مجرد سودانيين، لا شرقيين وغربيين وشماليين وجنوبيين، ولا قبائل وأعراق، بل أمة واحدة متنوعة متحدة. سياسياً، سيصبح التداول السلمي للسلطة أمراً طبيعياً وليس استثناءً، وستُحترم إرادة الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة، وتكون المعارضة جزءاً من المشهد السياسي لا عدواً للدولة، وتتراجع هيمنة السلاح والمال على السياسة، ليحل محلها الحوار العقلاني والمؤسسات المستقلة والقانون النافذ، وتصبح الدولة محمية بدستورها ومؤسساتها، لا بحماية الميليشيات والجماعات المسلحة.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فسيستعيد السودان مكانته التي فقدها عقوداً، كدولة فاعلة ومستقرة وقادرة على بناء علاقات متوازنة مع جيرانها والعالم، تخدم مصالحه الوطنية وتساهم في استقرار المنطقة بأكملها، بدلاً من أن يكون ساحة لصراعات القوى الإقليمية والدولية، أو مصدر تهديد لأمن جيرانه بسبب اللاجئين والأسلحة المهربة والجماعات العابرة للحدود. وسيكون السودان نموذجاً في المنطقة للتعافي من الحرب وإعادة الإعمار، ويستعيد ثقته بنفسه ودوره الإنساني والحضاري، ويصبح وجهة للتعاون والاستثمار، لا مقصداً للمساعدات الإنسانية وحسب. وبعد عقد كامل من الزمن، لن يكون الحديث عن الحرب هو العنوان الأبرز للسودان، بل عن تجربة نجاح فريدة في التحول من الصراع إلى السلام، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن الإقصاء والهيمنة إلى العدالة والمواطنة المتساوية. سيتحدث العالم عن السودان الجديد الذي استطاع أن يتجاوز جراحه، ويحوّل أزماته إلى فرص، ويعيد بناء وطنه على أسس سليمة، فيكون مصدر إلهام للشعوب الأخرى التي تعاني من ويلات الحروب والصراعات الداخلية.
حينها فقط، يمكن القول بكل ثقة إن بناء الثقة لم يكن مجرد فكرة أو اتفاق مكتوب على ورق، بل كان بداية حقيقية ومباركة لولادة وطن جديد يتسع للجميع، وطن تلتئم فيه الجراح، وتُفتح فيه الأبواب، وتُبنى فيه الجسور، ويعود فيه الإنسان السوداني إلى إنسانيته، وكرامته، وحقه في الحياة الحرة الكريمة الآمنة. فالسودان يستحق ذلك، وشعبه يستحق ذلك، والله المستعان على ما يصفون، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
بناريخ21يونيو2026م


