مقالات الرأي

السودان الذي يسع الجميع: الميثاق التاريخي لبناء وطن جديد

بقلم: د.كمال عبدالعزيز (كيمو)
28 مايو 2026م

إن ما صدر اليوم عن تحالف نيروبي ليس مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل يمثل محاولة جادة لإعادة تعريف الدولة السودانية وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لوطن يتجاوز أزماته التاريخية. ففي لحظة ينهك فيها السودان بالحرب والانقسام والانهيار الإنساني، جاءت هذه الوثيقة لتطرح رؤية مختلفة تنطلق من إيقاف الحرب، ومخاطبة جذور الأزمة، وبناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة والتنوع.

تكمن أهمية الميثاق في أنه لا يتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها مجرد صراع سلطة بين أطراف عسكرية أو سياسية، وإنما كأزمة بنيوية ممتدة منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة. لذلك جاءت بنوده مركزة على تفكيك أسباب الحرب نفسها، وليس فقط إدارة نتائجها. ولهذا برزت قضايا العدالة الانتقالية، والمحاسبة، وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو، ومنع إعادة إنتاج الشمولية والعسكرة، باعتبارها شروطاً أساسية لبناء سلام حقيقي ومستدام.

كما أن الوثيقة حملت موقفاً واضحاً تجاه العلاقة مع المؤسسة العسكرية، برفض أي تسوية تعيد إنتاج الشراكة القديمة التي قادت البلاد مراراً إلى الانقلابات والانهيارات. وهذا يعكس إدراكاً متقدماً بأن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق في ظل هيمنة السلاح على المجال المدني، وأن بناء دولة حديثة يتطلب سلطة مدنية ذات شرعية ومؤسسات مستقلة ومهنية.

ومن أهم ما يميز الميثاق أيضاً اعترافه الصريح بالتنوع الديني والثقافي والاجتماعي للسودان، باعتباره مصدر قوة وليس تهديداً. فالسودان الذي عانى طويلاً من سياسات الإقصاء والتمييز، يحتاج اليوم إلى مشروع وطني جديد يؤسس للمواطنة المتساوية ويحترم التعدد، ويمنح كل المجموعات حقها في المشاركة والاعتراف والتمثيل العادل داخل الدولة.

ولأن الحرب السودانية خلفت مآسي إنسانية عميقة، فقد ركزت الوثيقة على العدالة وجبر الضرر وتعويض الضحايا، إلى جانب تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تؤكد أن الجرائم الكبرى لا يمكن تجاوزها بالصمت أو التسويات السياسية المؤقتة. فالسلام الحقيقي يبدأ حين يشعر الضحايا بأن الدولة تحمي حقوقهم وتعترف بمعاناتهم.

كذلك حمل الميثاق رؤية مهمة لمعالجة الاقصاء التاريخي، عبر تبني سياسات التمييز الإيجابي للمناطق المتضررة بالحروب وعدم الاستقرار، وهي خطوة ضرورية لمعالجة الاختلالات التنموية والسياسية التي ظلت تغذي النزاعات لعقود طويلة. فلا يمكن بناء سودان مستقر دون عدالة في السلطة والثروة والتنمية.

ولعل أكثر ما يمنح هذه الوثيقة قيمتها السياسية والأخلاقية هو أنها تحاول بناء جبهة مدنية واسعة رافضة للحرب، وقادرة على صناعة بديل وطني جامع، في وقت تتسع فيه دائرة اليأس والانقسام. إنها محاولة لإعادة الأمل للسودانيين بأن المستقبل لا يجب أن يكون امتداداً للماضي، وأن البلاد يمكن أن تنهض من جديد عبر مشروع وطني يؤمن بالديمقراطية والعدالة والسلام.

إن الميثاق ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فنجاحه الحقيقي سيعتمد على قدرة القوى المدنية والسياسية على تحويل هذه المبادئ إلى مشروع عملي، وعلى مدى صدق الإيمان ببناء دولة تسع الجميع دون تمييز. ومع ذلك، يبقى ما حدث اليوم خطوة تاريخية مهمة في اتجاه وقف الحرب، واستعادة الدولة، وبناء السودان الجديد الذي حلم به السودانيون طويلاً.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x