السودان بلا سلام: عجز القيادات واستدامة الحرب

Sudan Without Peace: Leadership Failures and the Persistence of War.
بقلم: نجم الدين خميس (Najm)
يُعد تاريخ السودان الحديث واحدًا من أكثر التجارب تعقيدًا في بناء الدولة بعد الاستقلال، حيث ظل السودان يعيش في دائرة مستمرة من الحروب والصراعات والانقلابات والاتفاقيات الجزئية التي لم تنجح في إنهاء الأزمة بشكل جذري. وعلى مدى عقود، تناوبت حكومات مدنية وعسكرية على حكم البلاد، لكنها جميعًا اشتركت في نتيجة واحدة: استمرار الحرب وفشل بناء دولة مستقرة. لذلك فإن المشكلة في السودان ليست مشكلة حرب فقط، بل مشكلة قيادة وإدارة دولة، حيث ارتبطت استدامة الحرب بعجز القيادات السياسية والعسكرية عن إدارة التنوع، وتحقيق العدالة، وبناء مشروع وطني جامع.
منذ الاستقلال، واجه السودان أزمة في تكوين الدولة الوطنية. فقد ورث السودان دولة واسعة ومتعددة الأعراق والثقافات والديانات، لكن النخب السياسية لم تستطع بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، بل استمر نظام الحكم المركزي الذي تتركز فيه السلطة والثروة في المركز، بينما عانت الأقاليم من التهميش السياسي والاقتصادي والتنموي. هذا التهميش كان أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الحروب في جنوب السودان، ثم لاحقًا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، مما يؤكد أن الأزمة لم تكن مرتبطة بإقليم واحد، بل ببنية الدولة نفسها.
على مدى عقود، تناوبت حكومات مدنية وعسكرية على حكم السودان، لكنها اشتركت في نقاط ضعف جوهرية، أهمها غياب الرؤية الوطنية الجامعة، حيث لم تتمكن أي قيادة من صياغة مشروع وطني يعترف بالتعدد الثقافي والعرقي والديني في السودان. فالدولة لم تُبنَ على أساس المواطنة، بل على أساس الولاء السياسي والقبلي والجهوي، مما أدى إلى شعور قطاعات واسعة من الشعب بالتهميش، وكان ذلك من أسباب التمرد والحروب.
كما أن تسييس المؤسسة العسكرية كان من أكبر أسباب عدم الاستقرار، حيث تدخل الجيش في السياسة عبر الانقلابات، وأصبح فاعلًا سياسيًا وليس مؤسسة وطنية مهنية فقط. ومع مرور الزمن، لم يعد السلاح حكرًا على الجيش، بل ظهرت بعض الحركات المسلحة والميليشيات والقوات الموازية، وأصبح في السودان أكثر من مركز قوة عسكرية، الأمر الذي جعل الصراع السياسي يتحول بسهولة إلى صراع مسلح.
ومع انتشار بعض الحركات المسلحة في عدة أقاليم، وتكوين ميليشيات الممتدة يوميا وقوات موازية، تعقد المشهد العسكري والسياسي في السودان. فوجود جيوش متعددة داخل دولة واحدة يعني عمليًا ضعف الدولة، لأن الدولة الحديثة تقوم على احتكار القوة والسلاح، وعندما تفقد الدولة هذا الاحتكار، تتحول الصراعات السياسية إلى صراعات عسكرية. كما أن بعض هذه الحركات والميليشيات نشأت في ظروف التهميش والحروب، ثم تحولت مع الزمن إلى قوى عسكرية وسياسية واقتصادية لها مصالحها ونفوذها، وأصبح إنهاء الحرب بالنسبة لبعضها يعني فقدان النفوذ أو السلطة أو الموارد، مما يساهم في استمرار الصراع.
اتبعت النخب السياسية في السودان سياسة إدارة الأزمات بدل حلها، فمعظم اتفاقيات السلام كانت جزئية ومؤقتة، وتركز على تقاسم السلطة والمناصب، دون معالجة جذور الأزمة مثل التنمية والعدالة وبناء المؤسسات وإعادة هيكلة الدولة. لذلك كانت كل اتفاقية سلام تؤجل الحرب ولا تنهيها، فيعود الصراع مرة أخرى بشكل مختلف.
كما ساهمت التحالفات السياسية المتغيرة والصراعات بين النخب السياسية والعسكرية وبعص الحركات المسلحة في إطالة أمد الحرب، حيث لم تكن التحالفات قائمة على برامج وطنية واضحة، بل على المصالح السياسية وتوازنات القوة، مما أدى إلى عدم الاستقرار واستمرار الصراع.
ومع مرور الحرب الحالي ، تطور الصراع في السودان من حروب في الأطراف إلى حرب وصلت إلى مركز الدولة نفسه، حيث امتد القتال إلى السودان عام ، وهذا يمثل تحولًا تاريخيًا خطيرًا في طبيعة الصراع. فالحرب في السابق كانت توصف بأنها حرب بين الهامش والمركز، أما عندما وصلت الحرب إلى الخرطوم، فقد أصبحت حربًا داخل مركز السلطة نفسه، وهذا يدل على أن الأزمة لم تعد أزمة تهميش أقاليم فقط، بل أصبحت أزمة صراع على السلطة داخل الدولة نفسها، وأزمة في بنية الدولة ومؤسساتها.
الحرب في السودان لم تكن مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل كانت كارثة إنسانية مستمرة لسنوات طويلة، حيث تسببت في نزوح ملايين المواطنين، وتدمير القرى والبنية التحتية، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار الفقر والمجاعات، وتفكك النسيج الإجتماعي والاخلاقي ، وظهور أجيال كاملة نشأت في بيئة الحرب والنزوح، وهذا يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل الدولة والمجتمع. كما صاحبت الحروب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مما أدخل السودان في دائرة المساءلة الدولية، وأصبح موضوع العدالة الانتقالية والمحاسبة من القضايا الأساسية لأي سلام مستقبلي.
إن استمرار الحرب في السودان لا يمكن تفسيره فقط بالصراعات القبلية أو الجهوية، بل يرتبط بعدة عوامل، من أهمها الصراع على السلطة بين النخب، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد الجيوش والقوات المسلحة والحركات والميليشيات الممتدة يوميا ، وغياب العدالة، والتهميش الاقتصادي، والتدخلات الإقليمية والدولية، وظهور اقتصاد الحرب الذي أصبحت فيه الحرب نفسها مصدر دخل ونفوذ لبعض الجهات، من خلال السيطرة على الموارد والتهريب وتجارة السلاح والمساعدات وتمكين في مؤسسات الدولة والمؤسسات الخدمة المدنية ، مما جعل بعض القوى تستفيد من استمرار الحرب واستغلال فرصة الحرب مقابل امتيازات الحزبية وقبيلة ضيقة وكثب القضايا البسطاء مقابل اجندات امتيازي وسوف تنتج نخب جديدة .
إن السلام في السودان لا يمكن أن يتحقق عبر اتفاق سياسي فقط، بل يحتاج إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، وبناء مؤسسات دولة قوية، وتكوين جيش وطني واحد، ودمج الحركات المسلحة، وإنهاء ظاهرة الميليشيات، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتعويض المتضررين، وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وكتابة دستور دائم يحدد شكل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم، وإقامة نظام سياسي قائم على التداول السلمي للسلطة.
إن المشكلة في السودان ليست في موارده، ولا في شعبه، ولا في تنوعه الثقافي والعرقي، بل في إدارة الدولة وعجز القيادات السياسية والعسكرية عن بناء مشروع وطني جامع. فالحروب الطويلة في السودان ليست دليل قوة السلاح، بل دليل ضعف الدولة وضعف الإدارة السياسية.
ويمكن تلخيص تاريخ الأزمة السودانية في أن الحرب بدأت في الأطراف بسبب التهميش، ثم استمرت بسبب صراع النخب على السلطة، ثم امتدت إلى مركز الدولة في الخرطوم، فتحولت من حرب أطراف إلى حرب دولة، وأصبحت تهدد وجود الدولة نفسها.
وفي النهاية، لن يتحدد مستقبل السودان بمن ينتصر في الحرب، بل بمن يستطيع أن يبني دولة بعد الحرب، دولة تقوم على العدالة والمواطنة والمؤسسات والقانون، لأن السلام الحقيقي لا يتحقق بانتصار طرف على طرف، بل يتحقق عندما تنتصر فكرة الدولة على فكرة السلطة، وفكرة العدالة على فكرة القوة، وفكرة الوطن على فكرة المصالح الضيقة.



