مقالات الرأي

السودان بين الحرب والسلام: نحو جيش وطني ودولة مستقرة

بقلم: عبدالعزيز احمد محمد (جدو البنا)

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي حاسم يُعد من أخطر المنعطفات التي واجهتها الدولة منذ نيل استقلالها في عام 1956. فبعد عقود طويلة من الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وجد السودانيون أنفسهم أمام واقع بالغ التعقيد تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الأزمات السياسية والإنسانية والتنموية، في مشهد يعكس حجم الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات طويلة من سوء إدارة الدولة وغياب المشروع الوطني الجامع.
لقد كانت أحلام السودانيين عند الاستقلال تتمثل في بناء دولة حديثة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والتنمية المتوازنة بين مختلف الأقاليم. غير أن هذه التطلعات اصطدمت بسلسلة من الأزمات والصراعات التي أعاقت مسيرة بناء الدولة الوطنية، وأدت إلى إضعاف المؤسسات العامة وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية. ومع مرور الوقت أصبحت النزاعات المسلحة جزءاً من المشهد السياسي السوداني، وتحولت بعض الأزمات المحلية إلى صراعات واسعة النطاق ألقت بظلالها على حاضر البلاد ومستقبلها.
ومن أخطر الظواهر التي برزت خلال العقود الماضية تعدد مراكز القوة العسكرية وانتشار التشكيلات المسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية القومية. فقد أدى الاعتماد على الحلول العسكرية وتوسيع دائرة التسليح إلى خلق واقع أمني معقد أصبحت فيه سلطة الدولة محل تحدٍ مستمر، وأصبح السلاح حاضراً في المجال السياسي والاجتماعي بصورة تهدد استقرار البلاد ووحدتها الوطنية. وقد أثبتت التجارب في السودان وفي غيره من الدول أن تعدد الجيوش والقوات المسلحة المتنافسة يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولة وتفكيك مؤسساتها وفتح الباب أمام دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.
ولم تكن آثار الحرب مقتصرة على الجوانب العسكرية والأمنية فقط، بل امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة. فقد تعرض ملايين المواطنين للنزوح واللجوء، وفقدت أسر كثيرة مصادر دخلها واستقرارها، وتضررت المدارس والمستشفيات ومشروعات البنية التحتية، وتراجعت معدلات الإنتاج والاستثمار والتنمية. كما تركت الحرب جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي وأضعفت الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة، مما جعل مهمة بناء السلام أكثر تعقيداً وأهمية في الوقت نفسه.
إن استمرار الحرب لا يمثل تهديداً للأطراف المتحاربة وحدها، بل يمثل تهديداً لوجود الدولة نفسها. فكل يوم يمر في ظل النزاع يعني مزيداً من الخسائر البشرية والاقتصادية، ومزيداً من التراجع في فرص الاستقرار والتنمية. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من سينتصر في الحرب، بل كيف يمكن للسودان أن ينتصر على الحرب نفسها، وأن يفتح صفحة جديدة تؤسس لدولة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات مواطنيها.
إن بناء السلام الحقيقي لا يبدأ فقط بإسكات أصوات البنادق، بل يبدأ بإزالة الأسباب التي أدت إلى حمل السلاح في المقام الأول. فالسلام المستدام يتطلب إصلاحاً سياسياً شاملاً، وعدالة اجتماعية حقيقية، وتنمية متوازنة بين الأقاليم، ومؤسسات دولة قوية ومحايدة، وثقافة وطنية تقوم على قبول التنوع واحترام الاختلاف. كما يتطلب معالجة قضايا التهميش والإقصاء والتمييز التي ظلت تشكل وقوداً للصراعات في أجزاء مختلفة من البلاد.
وفي قلب هذا المشروع الوطني تبرز قضية بناء مؤسسة عسكرية قومية موحدة باعتبارها أحد أهم متطلبات استقرار الدولة. فلا يمكن بناء دولة حديثة ومستقرة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة أو تضارب الولاءات العسكرية. إن الدولة القوية هي الدولة التي تحتكر استخدام القوة وفق القانون والدستور، وتملك مؤسسة عسكرية مهنية تمثل جميع المواطنين دون تمييز، وتلتزم بحماية الوطن وسيادته ومؤسساته الدستورية بعيداً عن الصراعات السياسية والحزبية.
إن الجيش الوطني المنشود ليس جيشاً لفئة أو حزب أو جهة أو قبيلة، وإنما مؤسسة قومية تعكس تنوع السودان ووحدته في آن واحد. جيش يقوم على المهنية والانضباط والكفاءة، ويحمل عقيدة قتالية وطنية تجعل حماية الوطن والمواطن هي الهدف الأعلى الذي تتوحد حوله جميع القوات العسكرية. كما أن بناء هذه المؤسسة يتطلب إصلاحاً شاملاً للقطاع الأمني والعسكري، ودمج جميع القوى المسلحة في إطار وطني واحد يخضع للقانون والقيادة الدستورية للدولة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x