مقالات الرأي

السودان بين الفشل التاريخي ورؤية دولة المواطنة المتساوية


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


كان السودان منذ لحظة ميلاده كدولة مستقلة وطنًا يبحث عن عقد اجتماعي مفقود، كمدينة بلا خريطة تحدد طرقها، أو نهر يتيه في صحراء ممتدة بلا ضفاف ثابتة. عبر عقود من الزمن، تلاشت الشعارات الكبرى أمام الواقع المليء بالاستقطاب العرقي والطائفي، وتداخلت مصالح النخب السياسية مع أجهزة السلطة، فانحرفت مسيرة الدولة عن مسارها الطبيعي، وصار المواطنون في رحلة دائمة لإثبات وجودهم ضمن هذا الكيان. لم تكن التجربة السودانية مجرد إخفاق مؤسساتي، بل تراكمًا لخيبات أمل متعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، حين حاولت النخب الأولى بناء دولة جامعة، حتى انهيار التسويات العسكرية والسياسية في ستينات وسبعينات القرن الماضي. يُقدر عدد السنوات التي شهدت صراعات مسلحة مباشرة أكثر من نصف تاريخ الدولة، مقارنة بعدد سنوات السلام النسبي، وهو مؤشر على هشاشة العقد الاجتماعي والسلطوي في السودان.
في هذا السياق، تقدم رؤية حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور خيارًا استراتيجيًا جادًا، يهدف إلى تأسيس دولة المواطنة المتساوية، حيث لا يقرر الولاء للعرق أو للقبيلة أو للمذهب الديني، بل لكل مواطن الحق في المشاركة الكاملة والمتساوية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذه الرؤية تتجاوز شعارات الحرية والمساواة، لتصبح منهجية واضحة لبناء مؤسسات قوية، قادرة على ضبط التوازن بين المركز والأطراف، وتحويل الدولة من كيان متفكك إلى إطار اجتماعي وسياسي يحمي حقوق الجميع.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن كل المحاولات السابقة كانت محكومة بالفشل:
النظام العسكري، منذ انقلاب 1958 مرورًا بانقلابات 1969 و1989 وحتى 15 أبريل 2023، استخدم القوة كسلاح وحيد لإدارة الدولة، وزاد الانقسامات بدلاً من تقليلها.
الأنظمة المدنية المتعاقبة، رغم شعارات الديمقراطية، لم تكن سوى استمرارية للهيمنة التقليدية للنخب، مع تغييرات سطحية لا تمس جوهر التفاوت الاجتماعي أو توزيع السلطة.
المشاريع الأيديولوجية، سواء كانت إسلاموية أو اشتراكية، أضافت طبقة جديدة من الانقسام، فارتبط الولاء بالدين أو العقيدة، بينما بقي المواطن العادي خارج دائرة الحقوق والمشاركة.
كل هذه التجارب تركت إرثًا من خيبة الأمل لدى المجتمع، وزاد الإحباط من إمكانية بناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة. في مواجهة هذا الفشل التاريخي، تأتي رؤية حركة/جيش تحرير السودان قيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور لتضع أسسًا واضحة لدولة المواطنة المتساوية. فهي رؤية لا تقتصر على الهياكل المؤسساتية، بل تمتد إلى الثقافة السياسية والمجتمعية، لتؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على أساس الحق والواجب، والعدالة الانتقالية، والمشاركة الفاعلة لكل المواطنين.
تؤكد هذه الرؤية على ضرورة فصل السلطة عن الاستقطاب الطائفي والعرقي، وإعطاء كل منطقة وكل جماعة حقوقها في إطار الدولة الجامعة، بعيدًا عن أي سيطرة مركزية تهمش الهوية المحلية. وهي تسعى لتجاوز أخطاء الماضي، مثل الإقصاء السياسي، وإعادة إنتاج النزاعات المسلحة، والتسويات الهشة التي لم تعالج جذور الأزمة. كل اتفاقية سلام أو تجربة انتقالية سابقة فشلت لأنها لم تؤسس لدولة مواطنة متساوية، بل اعتمدت على التسويات المؤقتة والمناطقية، تاركة الدولة في حالة هشاشة مستمرة، من اتفاقية أديس أبابا للسلام في جنوب السودان عام 1972، إلى اتفاقية جوبا للسلام في 2005، وصولًا إلى النزاعات الأخيرة بعد حرب 15 أبريل 2023.
يمكن الإشارة إلى أن نسبة النزاعات الداخلية في السودان منذ الاستقلال بلغت أكثر من 50% من عمر الدولة، ما يوضح الفشل المستمر لأي مشروع لم يؤسس على أساس المواطنة المتساوية. كما أن عدد اتفاقيات السلام التي لم تحقق نتائج مستدامة تجاوز عشر اتفاقيات، وهو مؤشر على هشاشة الحلول التقليدية التي أعتمدت على المصالح المؤقتة دون معالجة جذور التهميش والظلم.
إن دولة المواطنة المتساوية ليست مجرد شعار سياسي، بل هي منهجية لبناء السودان من جديد، على أساس العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، والحقوق المتساوية لكل المواطنين. وهي دعوة لكل القوى الوطنية، والنخب السياسية، والمجتمع المدني، والشباب، للمشاركة في هذه العملية الإصلاحية العميقة، لتأسيس دولة قادرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية، وقادرة على تحويل السودان من مسرح للصراعات إلى نموذج للتعايش والعدل والتنمية.
اليوم، أمام الشعب السوداني فرصة حقيقية للتأسيس لمستقبل مختلف، قائم على الحق والعدالة والمواطنة. الفرصة تتطلب شجاعة النخب، ووعي الجماهير، وإصرار كل من يسعى لوطن متساوٍي يعيش فيه الجميع بحرية وأمان. هذه الرؤية، التي تقدمها حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور، تمثل دعوة مفتوحة للنخب والشعب للتحرك نحو هذا المشروع الوطني، لتجاوز أزمات الماضي، وبناء دولة قادرة على تحقيق ما طال انتظاره: السودان كدولة مواطنة متساوية، وطنًا لكل أبنائه، بعيدًا عن الظلم والتهميش والانقسامات التي طالما عرقلت مسيرة الأمة.


بتاريخ 15 أكتوبر2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x