مقالات الرأي

السودان بين تحديات الداخل وتعقيدات العلاقة مع مصر

بقلم: ابراهيم عثمان أبو خليل

ظلت العلاقة بين السودان ومصر محل جدل واسع، خاصة في ظل ما يراه بعض السودانيين اختلالًا في توازن المصالح بين البلدين. ويرى منتقدون أن النفوذ المصري داخل السودان تعزز عبر مراحل مختلفة، مستفيدًا من حالة الانقسام السياسي وعدم الاستقرار الذي شهدته البلاد، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن استقلال القرار الوطني وحماية السيادة السودانية.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، ارتبطت العديد من القضايا التاريخية بمشاعر الاستياء لدى قطاعات من السودانيين، وعلى رأسها الآثار التي ترتبت على إنشاء السد العالي، وما صاحبه من تهجير للسكان وإغراق لمناطق أثرية وزراعية في شمال السودان. كما تتكرر الانتقادات بشأن ما يعتبره البعض استفادة غير متكافئة من بعض الموارد السودانية، في ظل غياب سياسات وطنية قادرة على حماية الثروات وإدارتها بما يحقق مصلحة الشعب السوداني.

لكن تحميل المسؤولية للعوامل الخارجية وحدها لا يكفي، إذ إن الجزء الأكبر من الأزمة يعود إلى حالة الانقسام الداخلي التي عاشها السودان عبر عقود متتالية. فقد أسهمت الخلافات السياسية والصراعات العسكرية في إضعاف مؤسسات الدولة، وفتحت المجال أمام تدخلات خارجية واستغلال الظروف الاستثنائية بما لا يخدم المصالح الوطنية. إن استمرار النزاعات الداخلية لا يؤدي فقط إلى استنزاف الأرواح والموارد، بل يضع مستقبل البلاد وسيادتها أمام تحديات متزايدة.

وفيما يتعلق بالأحداث التي شهدتها المناطق الشمالية والحدودية، فقد أثارت الروايات المتداولة قلقًا واسعًا في الشارع السوداني، ودعت كثيرين إلى المطالبة بتحقيقات مستقلة وشفافة لكشف حقيقة ما جرى، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها وفقًا للقانون. كما يرى البعض أن صمت المؤسسات الرسمية أو تأخرها في توضيح الحقائق يزيد من حالة الاحتقان ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

إن حماية السودان لا تتحقق عبر تبادل الاتهامات، وإنما من خلال بناء دولة قوية تستند إلى سيادة القانون، ووحدة الصف الوطني، وإدارة رشيدة للموارد، وسياسة خارجية تحفظ المصالح الوطنية وتقوم على الاحترام المتبادل مع جميع دول الجوار.

إن المرحلة الراهنة تتطلب من القيادات السياسية والعسكرية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن تجعل مصلحة السودان فوق أي اعتبارات حزبية أو شخصية. فالوطن اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يقوم على الحوار، والمساواة بين جميع المواطنين، وإشراك الشباب في صناعة القرار، باعتبارهم القوة القادرة على بناء دولة حديثة ومستقرة.

كما أن من حق الشعب السوداني أن ينعم بدولة تحمي أرضه وموارده وسيادته، وأن تتعامل بشفافية مع القضايا الوطنية، وأن تدافع عن حقوق مواطنيها عبر الوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية. فالتاريخ لا يخلد إلا المواقف التي تنتصر للوطن، والأجيال القادمة ستتذكر من حافظ على السودان ومن فرط في مقدراته.

ويبقى الأمل معقودًا على أن تنتصر الحكمة على الانقسام، وأن يدرك الجميع أن قوة السودان تبدأ من وحدته الداخلية، وأن حماية سيادته مسؤولية مشتركة لا تقبل التأجيل أو المساومة.

28/ يونيو /2026

مقالات ذات صلة

2 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x