مقالات الرأي

السودان بين سؤال الهوية وآفاق المواطنة المتساوية

بقلم: د. كمال عبدالعزيز

العنصرية وخطاب الكراهية في السودان ليست ظاهرة سطحية يمكن اختزالها في سلوك فردي عابر، بل هي نتاج تاريخ طويل من التراكمات السياسية والاجتماعية والثقافية. فمنذ حقبة الاستعمار وما تلاها من صراعات داخلية، تشكّلت هويات متنازعة، أُسيء توظيفها سياسياً، حتى أصبحت بعض الانتماءات العرقية أو الجهوية معيارًا غير عادل للتقييم أو الإقصاء. وقد تعمّق هذا المسار مع أحداث الحرب الأهلية السودانية وجرائمها الخطيرة، حيث لم تكن الصراعات مجرد تنافس على السلطة، بل حملت في طياتها أبعادًا عنصرية غذّت الانقسام وأعادت إنتاجه بمظاهر متعددة.

سياسياً، لا يمكن مواجهة العنصرية دون الاعتراف بأنها استُخدمت أحيانًا كأداة للهيمنة وإدارة الصراع. إن بناء دولة عادلة في السودان يقتضي إعادة صياغة العلاقة على أسس المواطنة لا الانتماء. فالقانون يجب أن يكون حازمًا في تجريم التمييز، لا مجرد نصوص رمزية، كما ينبغي ضمان تمثيل حقيقي لكل المكونات الاجتماعية داخل مؤسسات الدولة. إن العدالة هنا ليست مطلبًا أخلاقيًا فقط، بل شرط للاستقرار السياسي، لأن أي نظام يتسامح مع التمييز إنما يزرع بذور تفككه.

من الناحة الاجتماعية، تتغذى العنصرية من الصور النمطية المتوارثة، ومن خطاب يومي قد يبدو بسيطًا لكنه يحمل في داخله إقصاءً خفيًا. لذلك، فإن المواجهة تبدأ من المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام، حيث يجب إعادة تشكيل الوعي الجمعي على أساس التنوع بوصفه ثراءً لا تهديدًا. إن المجتمع السوداني، بتعدد ثقافاته ولغاته، يمتلك فرصة فريدة ليكون نموذجًا للتعايش، لكن ذلك يتطلب تفكيك ” ثقافة التفوق” التي تُزرع أحيانًا بشكل غير مباشر في النفوس.

أما على المستوى الروحي الديني، فإن العنصرية تمثل انحرافًا عن جوهر القيم الدينية التي تؤكد وحدة الإنسان وكرامته. فالإيمان الحقيقي لا ينسجم مع الاستعلاء، لأن أصل العنصرية هو وهم التفوق لا حقيقة التفاضل. إن إصلاح النفس من الداخل، عبر تهذيب الكِبر وتعزيز التعاطف، يُعد خطوة أساسية في مواجهة هذا المرض، إذ لا يكفي تغيير القوانين إذا بقيت القلوب مشبعة بالتمييز.

فلسفيًا، يمكن تفكيك العنصرية بوصفها فكرة غير متماسكة، لأنها تربط القيمة الإنسانية بعوامل خارجة عن إرادة الفرد كالأصل أو اللون. وقد بيّن مفكرون مثل Frantz Fanon كيف تُستخدم العنصرية لإنتاج “الآخر الأدنى” بهدف تبرير السيطرة، بينما تؤكد نظريات العدالة الحديثة، كما عند John Rawls، أن أي نظام عادل لا يمكن أن يقبل بامتيازات مبنية على الانتماء العرقي. من هذا المنظور، تصبح العنصرية خللًا في التفكير قبل أن تكون خللًا في السلوك.

علميًا، لم يعد هناك أي أساس يدعم الادعاءات العنصرية، إذ أثبتت الأبحاث في علم الوراثة البشرية أن الفروق بين البشر داخل المجموعة الواحدة قد تكون أكبر من الفروق بين المجموعات المختلفة. فجميع البشر ينتمون إلى نفس النوع، ولا توجد أعراق نقية أو متفوقة بيولوجيًا. وبذلك، فإن العنصرية ليست سوى بناء اجتماعي وهمي، يُلبس نفسه أحيانًا لباس العلم زورًا.

وعليه ، لا يمكن القضاء على العنصرية في السودان بخطاب واحد أو إجراء منفرد، بل عبر تكامل الجهود على مختلف المستويات: دولة عادلة منصفة للجميع، مجتمع واعٍ، ضمير حي، فكر نقدي، وعلم رصين. إن التحدي الحقيقي ليس فقط في رفض العنصرية، بل في بناء بديل أخلاقي وفكري يُعيد تعريف الإنسان السوداني بوصفه كائنًا متساوي الكرامة، متعدد الانتماءات، موحد المصير.

7 ابريل 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x