السودان بين ضجيج الشعارات وخراب الواقع: من انتصر، المبادئ أم الانتهازية؟

بقلم: م/ عبدالله رابح (شارون)
الثلاثاء ٩يونيو ٢٠٢٦م
في الأزمات الكبرى تسقط الأقنعة سريعًا، وتظهر الحقائق التي كانت مختبئة خلف الشعارات البراقة والخطابات الرنانة. وما يعيشه السودان اليوم من حرب وتمزق ونزوح وانهيار اقتصادي ليس مجرد نتيجة لصراع عسكري، بل هو أيضًا حصيلة سنوات طويلة من الفشل السياسي وتغليب المصالح على المبادئ.
منذ اندلاع الحرب، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ؛ أسر فقدت منازلها، وشباب تعطلت أحلامهم، وأطفال حُرموا من التعليم، ومدن تحولت إلى ساحات قتال. وبينما كان المواطن يبحث عن الأمن والخبز والدواء، كانت النخب السياسية منشغلة بإعادة رسم التحالفات وتحديد مواقعها في معادلة السلطة القادمة.
لقد كشفت الحرب هشاشة كثير من الخطابات السياسية التي ظلت تُرفع باسم الوطن والديمقراطية والعدالة. فعندما جاء وقت الاختبار الحقيقي، اختارت بعض القوى السياسية التموضع وفق حسابات المكاسب والخسائر، لا وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.
وفي هذا السياق، تعرضت مكونات الكتلة الديمقراطية لانتقادات واسعة بسبب مواقف رأى كثيرون أنها ركزت على التوازنات السياسية أكثر من تركيزها على معالجة الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون. وبين هذا الرأي وذاك، يبقى السؤال المشروع: هل كانت الأولوية لإنقاذ الوطن أم لترتيب المشهد السياسي؟
أما الحركة الإسلامية، التي ظلت لعقود طويلة أحد أهم الفاعلين في المشهد السوداني، فلا تزال تواجه إرثًا سياسيًا ثقيلًا وأسئلة لا يمكن تجاوزها حول مسؤوليتها عن كثير من الأزمات التي تراكمت حتى وصلت البلاد إلى هذا المنعطف الخطير. ورغم اختلاف الآراء حول حجم هذه المسؤولية، فإن تجربة الحكم الطويلة تضع أصحابها أمام استحقاق المراجعة والمحاسبة.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في تنظيم سياسي بعينه أو تحالف بعينه، بل في ثقافة سياسية ترسخت عبر السنوات، تقوم على تبديل المواقف حسب الظروف، وتغيير التحالفات حسب المصالح، وتقديم الحسابات الحزبية على المصلحة الوطنية. وهي ثقافة دفعت البلاد ثمنها باهظًا من استقرارها ووحدتها ومستقبل أجيالها.
لقد أثبتت التجربة أن الانتهازية قد تمنح صاحبها موقعًا أو نفوذًا أو حضورًا إعلاميًا، لكنها لا تبني وطنًا. فالأوطان تُبنى بالمواقف الواضحة، والالتزام الأخلاقي، والقدرة على تقديم التنازلات من أجل المصلحة العامة، لا من أجل المكاسب الخاصة.
واليوم، يقف السودان أمام لحظة تاريخية فارقة. لحظة تتطلب من الجميع مراجعة صادقة وشجاعة، بعيدًا عن المكابرة وتبادل الاتهامات. فالحرب لن تُنهيها الشعارات، والسلام لن تصنعه المناورات السياسية، والدولة لن تستعيد عافيتها إلا عندما تصبح مصلحة الوطن أعلى من مصالح الجماعات والأفراد.
قد يبدو أن الانتهازية تحقق انتصارات مؤقتة في دهاليز السياسة، لكن التاريخ له حكم مختلف. فهو لا يتذكر من اقترب من السلطة بقدر ما يتذكر من اقترب من الوطن. ولا يخلد أسماء الذين أتقنوا المناورة، بل أسماء الذين تمسكوا بمبادئهم في أصعب اللحظات.
وعندما يطوي السودان صفحة هذه الحرب، سيبقى السؤال معلقًا في وجه الجميع: ماذا قدمتم للوطن حين كان ينزف؟
ذلك السؤال وحده كفيل بأن يحدد من انتصر حقًا: المبادئ أم الانتهازية.



