السودان… حين تحولت معركة السلطة إلى جرح في الهوية

بقلم: م/ عبدالله رابح (شارون)
١٨ يونيو ٢٠٢٦م
لم تبدأ الحرب في السودان بسؤال عن القبيلة، ولا اندلعت بسبب لون البشرة أو الانتماء العرقي. بدأت، كما تبدأ معظم الحروب في الدول الهشة، بصراع على السلطة والنفوذ ومَن يملك القرار الأخير في الدولة. لكن ما إن اشتعلت النيران حتى خرجت من حدود السياسة الضيقة لتلتهم ما هو أخطر: النسيج الاجتماعي نفسه.
على مدى عقود، ظل السودانيون يتعايشون رغم اختلافاتهم الثقافية والإثنية والجهوية. كانت الخلافات السياسية حاضرة، وكانت الحروب الأهلية تندلع من حين إلى آخر، لكن فكرة السودان الواحد ظلت قادرة على جمع الناس تحت سقف وطن واحد. غير أن الحرب الحالية وضعت هذه الفكرة أمام أصعب اختبار في تاريخ البلاد الحديث.
فبينما انشغل قادة الحرب بحسابات القوة والمكاسب العسكرية، كانت لغة أخرى تتسلل إلى الشارع ومواقع التواصل ومنابر التعبئة؛ لغة تقوم على الفرز والتصنيف والاشتباه في الآخر على أساس الهوية لا المواطنة. وهكذا تحولت معركة السلطة تدريجياً إلى جرح عميق في الهوية الوطنية، وأصبح الخوف من الانقسام الاجتماعي لا يقل خطورة عن الخوف من الرصاص نفسه.
لقد كشفت الحرب هشاشة الأسس التي بُنيت عليها الدولة السودانية منذ الاستقلال. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، عادت القبيلة والجهة والإثنية لتملأ الفراغ. وكلما غابت العدالة والمساواة، ازداد شعور المجموعات المختلفة بالتهميش والغبن، لتصبح الهوية أداة للصراع بدلاً من أن تكون مصدرًا للتنوع والثراء.
واليوم، وبعد سنوات من الدماء والنزوح واللجوء والانهيار الاقتصادي، يبدو السودان أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن ينجح السودانيون في إعادة بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة، وإما أن تترك الحرب إرثاً من الشروخ الاجتماعية قد يستغرق ترميمها أجيالاً كاملة.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد الضحايا ولا حجم الدمار وحده، بل أنها دفعت كثيرين إلى النظر لبعضهم البعض باعتبارهم هويات متصارعة لا مواطنين متساوين. وعندما يصل وطن إلى هذه المرحلة، تصبح معركة السلام أكثر تعقيداً من معركة الحرب نفسها.
فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة ترميم الثقة بين أبنائه، لأن الأوطان لا تموت عندما تُهدم مبانيها، وإنما عندما تتصدع الروابط التي تجمع أهلها تحت اسم واحد ومستقبل واحد.



