مقالات الرأي

السودان: زلزال 15 أبريل وصفارة النهاية لمسرحية السلام الهش


بقلم : كمال محجوب( أرسطو)


​لا يمكن قراءة المشهد السوداني الدامي اليوم بمعزل عن التراكمات التاريخية التي شكلت وجدان الدولة منذ الاستقلال. إن ما نعيشه منذ 15 أبريل 2023م ليس مجرد “صدام جنرالات”، بل هو الانفجار الكبير لدمامل الأزمات المؤجلة، والنتيجة الحتمية لفشل النخب في تحويل “السلام” من مجرد حبر على ورق الاتفاقيات إلى ممارسة يومية تحفظ كرامة الإنسان وتصون وحدة التراب.
​عقدة البدايات: متوالية الانقلاب والانتفاضة
​منذ بزوغ فجر الاستقلال في 1956، دخل السودان في “دائرة شريرة” من عدم الاستقرار السياسي. بدأت ببروز قضية الجنوب وتهميش الأطراف، وتكرست عبر انقلابات عسكرية (1958، 1969، 1989) قطعت الطريق أمام محاولات بناء ديمقراطية مستدامة. في كل محطة، كان “السلام” يُطرح كإجراء طارئ لإيقاف نزيف الحرب، دون المساس بجوهر المشكلة الأزلية: “كيف يُحكم السودان؟” بدلاً من الصراع حول “من يحكم السودان؟”.
​حقبة “الإنقاذ” وتجريف المؤسسات
​شكلت الثلاثة عقود الماضية (1989-2019) أخطر مراحل التآكل الهيكلي للدولة السودانية. فقد شهدت هذه الفترة عسكرة المجتمع وتعدد الجيوش والمليشيات، وبروز نزاع دارفور في 2003 الذي كان الشرارة الأولى لظهور قوى عسكرية موازية للمؤسسة الرسمية. هذا التشظي في “أدوات العنف” كان الصاعق الذي ظل ينتظر لحظة الانفجار، وهو ما حدث فعلياً في صيف 2023 الذي غيّر وجه السودان للأبد.
​15 أبريل: لحظة الحقيقة المُرّة
​جاءت حرب 15 أبريل لتضع حداً لمرحلة “التسكين السياسي”. لقد كشفت هذه الحرب أن الاتفاقيات التي بُنيت على المحاصصة وتوزيع الغنائم—من نيفاشا إلى جوبا وصولاً إلى الاتفاق الإطاري—لم تكن سوى “هدنة محارب”.
إن السلام في منظورنا الفكري ليس غياب الرصاص فقط، بل هو حضور العدالة. والواقع الراهن يؤكد أن:
​السلام الاجتماعي: قد هُتك بفعل خطاب الكراهية والاستقطاب القبلي الحاد.
​السلام الهيكلي: قد انهار بدمار المؤسسات وتشريد ونزوح الملايين.
​السلام الذاتي: للمواطن قد تحول إلى صدمة نفسية ووجودية عميقة.
​خارطة الطريق: نحو سلام لا يموت
​إن الخروج من نفق 15 أبريل يتطلب شجاعة تتجاوز لغة “التسويات الفوقية”. السلام القادم يجب أن يرتكز على ركائز صلبة غير قابلة للمساومة:
​العدالة الانتقالية والجنائية: لا يمكن بناء وطن على جثث الضحايا دون إنصاف وتعويض ومحاسبة شاملة.
​جيش وطني واحد: إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش هو “الشرط الصفر” لاستعادة هيبة الدولة ومنع تكرار الانفجار العسكري.
​المواطنة المتساوية: وضع دستور دائم يعترف بالتنوع العرقي والثقافي كعنصر قوة، ويقر الفيدرالية الحقيقية التي تمنح الأقاليم حقوقها المهضومة.
​التعايش السلمي المجتمعي: البدء في برامج وطنية لـ “رتق النسيج الاجتماعي” وتفكيك الألغام التي زرعتها الحرب بين المكونات السكانية.
​خاتمة: الأمل في رماد الحريق
​رغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يعلمنا أن أعظم الشعوب هي التي تولد من رحم المحن الكبرى. إن حرب 15 أبريل، بكل مآسيها، يجب أن تكون “صفارة النهاية” لمسلسل الحروب السودانية. إنها دعوة للجميع للعودة إلى منصة التأسيس الوطني، وبناء سلام شامل يخاطب وجدان الإنسان البسيط الذي يحلم بالأمن، قبل أن يخاطب كراسي السلطة وطموحات النخب.
​إن السودان الذي يسع الجميع ليس حكماً مستحيلاً، بل هو إرادة شعب قرر أخيراً أن يختار السلام الدائم بدلاً من الصراع المتكرر.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x