مقالات الرأي

السودان لا يساوم: جولة ثورية تكشف الحقيقة وتعيد الإعتبار للشعب


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


في زمنٍ انكشفت فيه الحقائق، وسقطت فيه الأقنعة التي لطالما تخفّت خلف شعارات الوطنية الزائفة، يقف السودان اليوم عند مشارف سؤالٍ قاسٍ: من الذي يحمل وجع الشعب؟ ومن الذي ينطق باسم الضمير المكسور؟ ما بين دخان الحرب، وركام المدن، ووجوه الأطفال التي غطّاها الغبار قبل أن تعرف معنى الطفولة—يبرز صوت واحد يُقاوم محاولات التزييف والإخضاع، صوت اختار أن يحمل مشعل الحقيقة في وجه الظلام. إن جولة حركة/جيش تحرير السودان ليست فعلاً دبلوماسياً عابراً، بل هي فعل مقاومة، فعل تذكير بأن السودان لا يُساوم، وأن الشعب الذي خذلته النخب وجرفته الحروب، يجب أن يعود إلى مركز المشهد، إلى مقعده الذي سُرق منه منذ عقود طويلة. هكذا تبدأ الحكاية… حكاية شعب يريد أن يُعاد الاعتبار له، وأن تُروى قصته كما هي، بلا تزييفٍ ولا خشيةٍ ولا مواربة.
حباً… فخراً… واعتزازاً، تخرج حركة/جيش تحرير السودان في جولة سياسية–دبلوماسية–إنسانية، وهي تحمل معها أوجاع البلاد وذاكرة القهر التي لم تفارق السودانيين منذ أن صيغت الدولة الحديثة على قاعدة الظلم لا المواطنة، وعلى منطق الامتياز لا العدالة، وعلى احتكار القوة بدلاً من توزيعها. لم تكن هذه الجولة مناسبة بروتوكولية ولا محاولة لتسجيل حضور خارجي كما تفعل النخب التقليدية، بل كانت امتداداً لصوت الشعب نفسه، ذلك الصوت الذي حاولت الحرب إسكاته بالنزوح والجوع والرصاص، لكنه ظلّ يطرق أبواب العالم معلناً أن السودان ليس ساحة منسية، وأن معاناة السودانيين ليست قدراً محتوماً.
في خضم الحرب العبثية التي مزقت السودان أرضاً وشعباً، تعود الحركة لتعيد تعريف الأزمة، ليس من منظور النخب، بل من منظور الضحية: المواطن السوداني الذي يحاصره الموت في الشوارع، والحصار في المدن، والجوع في المعسكرات، واليأس في المستقبل المسروق. إن ما تقوم به الحركة في هذه الجولة هو مواجهة صريحة مع الضمير الإنساني، وإعادة وضع السودان في موقعه الصحيح داخل نقاشات المجتمع الدولي، ليس كملف ثانوي يُتداول في الهامش، بل كقضية أخلاقية مركزية تتطلب موقفاً ومسؤولية تاريخية.
لقد سقطت كل محاولات تحويل السودان إلى شأن ثانوي أو قضية مؤجلة أو حرب منسية. وهذه الجولة جاءت لتقول للعالم إن الشعب الذي يتعرض للقصف والنزوح والقتل اليوم هو ذاته الذي قاد ثورات عظيمة، وفتح أبواب الحرية بأيدٍ عزلاء، وواجه أعتى الأنظمة الديكتاتورية دون أن يتراجع أو يساوم. السودان ليس رقعة جغرافية تتصارع عليها القوى العسكرية، بل هو تاريخ طويل من مقاومة الظلم، تاريخ لا يمكن اختزاله في معارك الجنرالات ولا مصالح الحلفاء، بل في إرادة الناس الذين يزرعون الحياة رغم الموت.
إن الجولة الدبلوماسية للحركة ليست جولة مجاملة، بل محاولة جريئة لتفكيك الرواية الرسمية التي سعت الأنظمة المتعاقبة إلى تمريرها منذ ما قبل الاستقلال وإلى اليوم. فالحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست وليدة العامين الأخيرين، ولا هي أزمة طارئة انفجرت بلا جذور. إنها نتاج تاريخ طويل من غياب الدولة الحقيقية، وتجذر التهميش البنيوي، وإقصاء الهامش لصالح مركز احتكر السلطة والثروة والمعنى.
إن جذور الحرب تعود إلى تلك اللحظة التي تأسست فيها الدولة السودانية الحديثة، حين صيغت على مقاس نخبة ضيقة احتكرت القرار، واعتبرت الهامش مجرد “ملحق” وظيفته التبعية. منذ مؤتمر الخريجين إلى الحكومات العسكرية المتعاقبة، ظل السودان يُدار بالعقلية ذاتها: مركز يقرر، وأطراف تُقاد. والنتيجة كانت حروب جنوب السودان، ثم جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، ثمّ انفجار الحرب الأخيرة التي اجتاحت العاصمة لتكشف أن التهميش لم يكن جغرافياً فقط، بل كان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يمتد إلى كل سوداني حُرم من حقه الطبيعي في أن يكون مواطناً كامل الحقوق.
إن الدولة التي لم تُبنَ على المواطنة لا تنتج سوى الحروب. والدولة التي لا ترى مواطنيها إلا عبر منظار الولاء السياسي أو القبلي لا تنتج سوى الجيوش الموازية والميليشيات العابرة. والدولة التي لا تعترف بالتنوع ولا تقيم ميزان العدالة، لا بد أن تنهار، لأن الظلم مهما طال عمره، لا يمكنه أن يصمد أمام إرادة الشعوب.
على هذا الأساس تنطلق حركة/جيش تحرير السودان في جولة تُعيد تفكيك المشهد أمام العالم. الرسالة واضحة: لا مساومة في القضايا الوطنية. لا قبول ببيانات تعاطف فارغة. لا صمت أمام تجار الحرب الذين يحاولون صناعة تسويات هشة تُبقي جذور الأزمة دون معالجة. فإيقاف الحرب ليس منحة من أحد، وحماية المدنيين ليست خدمة مشروطة، وإيصال المساعدات ليس عملاً خيرياً، بل هو حق أصيل يجب أن يضمنه المجتمع الدولي قبل أي طرف آخر.
الحركة في هذه الجولة لا تبحث عن صفقات، ولا تسعى إلى مقاعد تفاوض في غرف مغلقة، بل تسعى إلى فتح أبواب الحقيقة. الحقيقة التي حاول كثيرون دفنها: أن السودان لن يخرج من أزمته إلا بإعادة السلطة للشعب، وإعادة تعريف الدولة على أسس جديدة، وبناء عقد اجتماعي يجعل من المواطن—not من العسكري أو التاجر أو الزعيم التقليدي—هو مركز السلطة وصاحب القرار.
إن المساعي التي تبذلها الحركة اليوم لإيقاف الحرب دون قيد أو شرط ليست مجرد موقف سياسي، بل هي استعادة للدور الأخلاقي في زمن انحرفت فيه السياسة عن معناها. وهي أيضاً دعوة للإنسانية جمعاء كي ترى ما يتعرض له السودانيون من موتٍ بلا سبب، وجوع بلا مبرر، ونزوح بلا نهاية. السودان اليوم يقف على حافة كارثة، ولكن في قلب الكارثة يولد الأمل. والأمل اليوم يتمثل في أن تعود السلطة للناس، وأن تُصنع القوانين بأيديهم، وأن تُعاد كتابة العقد الاجتماعي على أساس المساواة والعدالة، لا على أساس الامتيازات القديمة.
إن السودان لا يمكن أن يستمر في دائرة الدم ما لم يتحقق السلام العادل الشامل المستدام، وما لم تُبنَ دولة المواطنة المتساوية التي لا تمييز فيها، ولا استبداد فيها، ولا إقصاء فيها. دولة يحكمها القانون، لا مزاج القوة. دولة تقوم على فكرة أن الإنسان قيمة، وأن كرامته ليست موضوعاً للتفاوض. الدولة التي يحلم بها الشباب الذين سُرقت أعمارهم بين معسكرات النزوح وخنادق الحرب، أولئك الذين ولدوا في زمن الرصاص ويريدون أن يموتوا في زمن السلام.
وهكذا، في لحظةٍ يتلاطم فيها الخراب مع الأحلام المؤجلة، تصبح هذه الجولة الثورية أكثر من مجرد نشاط سياسي؛ تصبح إعلاناً واضحاً بأن إرادة الشعب السوداني لم تُهزم، وأن الظلام مهما امتدّ لا يستطيع أن يبتلع أمةً قررت أن تنهض من بين الركام. إن الرسالة الأخيرة التي ينبغي للعالم أن يسمعها هي أن السودان ليس رقماً في نشرات الأخبار، ولا مسرحاً لتجارب القوى الإقليمية، ولا وثيقة تُوقّع في غرف مغلقة. السودان وطن حيّ، وشعبه حيّ، وكرامته ليست موضوعاً للتفاوض. سيكتب السودانيون مستقبلهم بأيديهم، وسيعيدون بناء وطنٍ يقوم على الحرية والعدل والمساواة، وطنٍ لا يُقصي أحداً ولا يُكرّس الامتيازات، وطنٍ يعرف أن السلام الحقيقي يبدأ عندما تُردّ الحقوق إلى أصحابها. هذه الجولة ليست نهاية الطريق، بل بدايته… بداية عودة الشعب إلى مكانه الطبيعي: في قلب القرار، في قلب المستقبل، وفي قلب التاريخ.
بتاريخ: 26نوفبمبر2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x