السودان: من أزمة الدولة إلى بناء مشروع المواطنة

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
إن الأزمة السودانية ليست أزمة عابرة فرضتها ظروف لحظية، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية عميقة امتدت منذ الاستقلال عام 1956، حيث ظلت الدولة تواجه تحديات جوهرية مرتبطة بطبيعة الحكم، وتوزيع السلطة والثروة، وإدارة التنوع، وغياب مشروع وطني جامع قادر على توحيد السودانيين حول رؤية مشتركة لبناء دولة مستقرة وعادلة.
لقد تعاقبت على السودان أنظمة سياسية متعددة، وتعددت محاولات معالجة الأزمات عبر اتفاقيات السلام والتسويات السياسية، إلا أن استمرار الصراع يؤكد أن المشكلة لم تكن فقط في غياب الاتفاقات، بل في عدم الوصول إلى جذور الأزمة ومعالجة الأسباب الحقيقية التي أنتجت حالة عدم الاستقرار المتكررة.
فالأزمة السودانية في جوهرها هي أزمة بناء دولة، وليست مجرد أزمة حكومات أو أشخاص. فعندما لا تكون المواطنة هي الأساس في الحقوق والواجبات، وعندما تصبح السلطة والثروة مرتبطة بموازين القوة والمحاصصات، تفقد الدولة قدرتها على تحقيق العدالة والاستقرار، وتظل الأزمات قابلة للتجدد مهما تغيرت الوجوه.
إن تجربة السودان منذ الاستقلال أثبتت أن معالجة نتائج الصراع دون معالجة أسبابه لا تقود إلى سلام مستدام. فالاتفاقيات التي جاءت لإيقاف الحروب كانت خطوات مهمة، لكنها لم تكن كافية لإعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على أساس العدالة والمساواة، ولم تنجح في بناء مشروع وطني يتجاوز أسباب الانقسام.
كما أن استمرار تجاهل جذور الأزمة التاريخية أدى إلى تراكم الاحتقان السياسي والاجتماعي، حتى وصلت البلاد إلى مراحل خطيرة من الصراع، كان آخرها الحرب التي كشفت حجم الخلل في بنية الدولة، وأكدت الحاجة إلى مراجعة شاملة لمسار بناء الوطن.
إن الحل الحقيقي لا يكمن في إعادة إنتاج نفس الأساليب القديمة، ولا في التسويات المؤقتة، بل في بناء دولة تقوم على مؤسسات قوية، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع الفرص، والاعتراف بالتنوع السوداني باعتباره مصدر قوة ووحدة، لا سبباً للانقسام والصراع.
فالسودان يحتاج إلى مشروع وطني جديد يعيد تعريف معنى الدولة، ويجعل المواطن محور العملية السياسية، بعيداً عن المحاصصات والامتيازات، ويؤسس لعقد اجتماعي يضمن لكل السودانيين مكانتهم وحقوقهم على أساس المواطنة المتساوية.
إن معالجة جذور الأزمة هي الطريق الوحيد نحو الاستقرار، لأن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط بوقف الحرب، بل بمعالجة الأسباب التي صنعتها. ومستقبل السودان يعتمد على قدرة السودانيين على بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن والمسؤولية والمصير.


