السودان من الإستقلال إلى 2025م: أزمة مشروع وطني مؤجل

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
منذ لحظة إعلان الاستقلال في الأول من يناير 1956، ظل السودان يعيش في حالة بحث دائم عن مشروع وطني جامع يحدد هوية الدولة، ويرسم شكل التعاقد الاجتماعي بين مختلف مكوناتها الإثنية والثقافية والدينية.
على الرغم من مرور أكثر من سبعة عقود، ظل هذا المشروع معلقًا بين محاولات ناقصة وتجارب منقوصة، تتقدم خطوة إلى الأمام ثم ترتد خطوات إلى الخلف.
● دولة ولدت قبل أن تُعرّف نفسها:-
استقلال السودان جاء دون توافق حول هوية الدولة وطبيعة حكمها. لم يُتفق على سؤالين جوهريين: من نحن؟ وكيف نحكم؟. ونتيجة لذلك، اندلعت حرب الجنوب الأولى قبل اكتمال مراسم الاستقلال، لتصبح أول مؤشر على فشل المشروع الوطني في تحقيق الوحدة الشاملة.
وفقًا للإحصاءات، فقد عاش السودان بين 1956 و2025 أكثر من 18 حكومة انتقالية وديمقراطية وعسكرية، وقُيّدت السلطة بالانقلابات العسكرية التي بلغت 6 محاولات ناجحة، بالإضافة إلى محاولات فاشلة لم تحسب.
● ديمقراطية قصيرة وانقلابات طويلة:-
شهد السودان فترات ديمقراطية قصيرة (1956-1958، 1964-1969، 1985-1989، 2019-2021) لكنها لم تستطع صياغة مشروع وطني دائم، بسبب الصراع بين الأحزاب الطائفية والقومية والإسلامية.
أما الانقلابات العسكرية فكانت دائمًا تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر:
عبود (1958-1964)
نميري (1969-1985)
البشير (1989-2019)
البرهان/حميدتي (2021-2025)
قال الصادق المهدي بعد انقلاب 1989: “لم يسقط نظام الديمقراطية، بل سقطت أخلاقيات التنافس السياسي”.
● اتفاقيات سلام بلا دولة:-
من اتفاقية أديس أبابا 1972 إلى اتفاق نيفاشا 2005، ووصولًا إلى اتفاق جوبا 2020، تم توقيع أكثر من 40 اتفاق سلام. لكن هذه الاتفاقيات تعاملت مع الأزمات كملفات سياسية، لا كجزء من مشروع دولة قائم على المواطنة المتساوية.
وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فقد أودت الحروب الأهلية في السودان بحياة ما بين 2 إلى 3 ملايين شخص، ونزح أكثر من 10 ملايين داخل وخارج البلاد حتى عام 2025.
● انفصال الجنوب: إعلان فشل المشروع الأول:-
انفصال جنوب السودان عام 2011 كان اعترافًا رسميًا بفشل المشروع الوطني في احتواء التعدد. ومع ذلك، لم يحقق الانفصال الاستقرار، بل عمّق النزاعات الاقتصادية والاجتماعية، وتفاقمت أزمات الفقر والهجرة والنزوح.
ذكر جون قرنق في خطاباته: “نحن لا نحارب الشماليين، نحن نحارب السودان القديم القائم على التهميش”. وهذا التأكيد يعكس أن المشكلة لم تكن بين شعبين، بل بين نموذج دولة عاجز عن تحقيق العدالة لجميع مكوناته.
● ثورة ديسمبر 2018: فرصة مؤجلة:-
مثلت ثورة ديسمبر فرصة تاريخية لإعادة بناء مشروع وطني مدني قائم على الحرية والسلام والعدالة. لكنها اصطدمت بالصراع بين المدنيين والعسكريين، ثم بتداعيات حرب 15 أبريل 2023، ما أعاد البلاد إلى دوامة الدولة المنهارة.
● نحو مشروع وطني جديد:-
إن أزمة السودان لم تكن يومًا في ثرواته أو تعدده الاجتماعي، بل في غياب عقد اجتماعي يقوم على أربعة ركائز أساسية:
■ مواطنة بلا تمييز
■ حكم مدني ديمقراطي لا مركزي
■ عدالة في توزيع السلطة والثروة
■ احترام التعدد الثقافي والديني واللغوي
حتى عام 2025، لا يزال السودان عالقًا بين دولة تبحث عن نفسها، وشعب يرفض الاستسلام، وجيل جديد يؤمن بأن الوطن ليس ساحة صراع على السلطة، بل عقد شراكة في الحقوق والواجبات والمواطنة والمصير.
● الأمل وحوار سوداني سوداني :-
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى حوار سوداني سوداني صادق، يجمع كل الأطراف عدي المؤتمر الوطني وواجهاته ومن رفض حول مشروع وطني شامل قادر على تحقيق العدالة والمساواة.
يجب أن تتحول الأزمة إلى فرصة، ليصبح الوطن مكانًا للجميع لا حصصًا لأحد. فالوطن الحقيقي هو الذي يُبنى بالحوار، بالمواطنة، وبالتعايش، وليس بالقوة أو الإقصاء.
إن بناء مشروع وطني جديد قائم علي اسس المواطنة المتساوية، هو الخيار الوحيد لاستعادة السودان، وتحويله من دولة منقسمة إلى وطن واحد يحتضن الجميع.
بتاريخ 4 أكتوبر2025م



