السودان هل من أفق للسلام أم المجهول هي الوجهة الأخيرة ؟

بقلم: عزالدين يوسف
7 مارس 2026م
مع تسارع وتيرة الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية وفي خضم الحرب الدائرة الآن بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى والتي ألقت بظلالها وتأثيراتها على كل دول المنطقة ومن بينها السودان والتي ماتزال حربها مشتعلة وبحاجة لتضافر الجهود للإسراع في إيقافها وتجنيب البلاد خطر الدخول في معادلات صعبة ومآزق نحن في غنى عنها إن طال أمدها في ظل التطورات الراهنة وقد يصعب الخروج منها في المدى القريب والبعيد .
مما يحتم علينا في هذا الظرف العصيب إعادة النظر في حساباتنا والترتيب الجيد لأولوياتنا وخططنا ووسائلنا لوقف الحرب وإنهاؤه والإعداد والترتيب لما بعده وهذا بالطبع يقودنا إلى السؤال الذي ظل يطرح نفسه بقوة عند كل منعطف ومتغير في المشهد ومسارات الحرب ويطرق باب كل حادب ومتابع للشأن السوداني إلى أين تتجه البلاد وما المصير بعد كل هذا الدمار والخراب
فمنذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من شهر أبريل 2023م وماترتب عليها من قتل ودمار ونزوح ولجوء إلى دول الجوار وغيرها من الدول وبفضل الثورة الإعلامية الرقمية سمع العالم كله بمأساتنا ومد الكثير منهم لنا يد العون وعرفنا قدر أنفسنا ومن معنا ومن ضدنا وماقيمة أن تكون لنا هوية ووطن يجمعنا و يستحق منا التضحية وعدم التفريط للمحافظة عليه
وقد بذلت جهود مقدرة و مساعي حثيثة من قبل الرافضين للحرب ومن عدة أطراف خارجية للمساهمة والتوسط لحل الأزمة ولكن الجهات التي لها مصلحة في استمرار الحرب كان لها رأي آخر برفضها لأي جهود خارجية لوقفها آخرها رفض المبادرة الرباعية والهدنة الإنسانية المقترحة وسارت على خطى ربيبتها نظام الثلاثين من يونيو 1989م والتي كانت ولسنين طويلة وفي ظل الحرب و الحصار و العقوبات الدولية والانغلاق والتضليل و التعتيم الإعلامي والتضييق على الحريات ترفض أي مبادرة أو دور أقليمي أو دولي يسهم في إيقاف الحرب وإحلال السلام والاستقرار ويتباهى في مكابرة واستعلاء بأن البلاد ليست بحاجة إلى مساعدة أو توسط أطراف خارجية لحل أزماتها ويصرح بأن كل مايصيبنا هي ابتلاءات ربانية وأننا قادرون على حل مشاكلنا بأنفسنا دون الآخر
ومع كل تلك العنجهية وذلك الجبروت ذهبت غير مأسوف عليها بعزيمة الثوار وتضحياتهم مخلفة لنا هذه التركة الثقيلة من الأزمات والحروبات المستمرة والفرقة والشتات والفقر المدقع وغياب الأمن والحريات والديمقراطية والعيش الكريم مما يتطلب منا العمل بجدية في مخاطبة جذور أزمات الوطن التاريخية ومداوة جراحه.
ومادام الأمر كذلك وفي ظل هذا الواقع البئيس والتشظي الماثل و الانحدار المريع والذي لن يقود الى شيء سوى المجهول فدعونا نسائل أنفسنا أيضا وبكل تجرد وأمانة كيف نضمد جراح الوطن ونخرج من أسر الماضي وبؤس الحاضر لتطرق أبواب المستقبل ونلحق بركب الأمم والشعوب المتقدمة وماهي السبل والخطوات الواجب إتباعها للخلاص والعبور والانتصار والوصول الى الدولة المدنية المرتجاة وتحقيق قيم الحرية والعدل والسلام والديمقراطية وكيف يتسنى لنا بناء دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون وسط هذه الفوضي والعلث والاقتتال و التناطح والتنافر السياسي والتلاعب بمستقبل الأجيال وثروات البلاد والمنافسة غير الشريفة وتنامي خطاب الكراهية والعنصرية والقبلية والجهوية وعدم قبول الآخر المختلف حتى وإن كان يملك مشروعا وطنيا قابلا للتنفيذ يسهم في حل أزمة السودان وهذا هو ديدن الصفوة ومن يدور في فلكهم يعتقدون أن الحل لابد أن يكون من صنعهم وإلا فلا قبول لأي مشروع أو طرح من خارج الصندوق وإن كان فيه خلاص للوطن من أزماته.
. طوال هذي السنين والحقب ومنذ خروج المستعمر وبلادنا في تراجع مستمر إلى الوراء ولم يبذل هولاء الصفوة ورثة المستعمر جهدا من أجل البناء بل عملوا على اختطاف الدولة واحتكار السلطة حماية لمصالحهم وتركوا الشعب يرزح في الفقر و الجهل والمرض وحملوه كل هذا العبء الثقيل من فشلهم الذريع ووضعوه في هذا الموقف الذي لا يحسد عليه ولكن عزيمة الثوار لم تلن وهمتهم لن تفتر ولن يعتريهم اليأس والاستسلام أوالتخاذل في المضي قدما على طريق النضال وثورة التغيير والبحث عن السلام وإيقاف وإنهاء حربهم التي أشعلوها بكل الطرق المشروعة والوسائل الممكنة وتشكيل حضور دائم في المشهد السياسي والدبلوماسي عبرالجولات المكوكية بين مختلف عواصم العالم للتعريف بجوهر الأزمة وجذورها وآفاق الحلول وتوطيد عرى العلاقات ورتق نسيجها وتوضيح للموقف من الحرب الدائرة الآن ومعالجة الأزمة الإنسانية الناجمة عنها
وحضور دائم للاجتماعات و اللقاءات والندوات والورش والمؤتمرات بشأن السودان وطرح للرؤي والمبادرات وتوقيع للمواثيق والدخول في تحالفات كل هذا من أجل الوطن في الوقت الذي بنشغل فيه أعداؤه بتدبير الفتن ونسج خيوط المؤآمرات والتخوين للشرفاء وتبخيس للأدوار والإرتهان للمحاور و خلق الأزمات وإيهام الشعب باسم الدين والعمل على تجميل صورتهم الشائهة والترويح لسرديتهم الكاذبة فيمن أطلق الطلقة الأولى وأشعل فتيل الحرب وتسويق بضاعتهم الكاسدة على أنها هي الخلاص وأنهم الحادبون على مصلحة الوطن وشعبه وإن كانوا حقا كذلك فليترجموا أقوالهم أفعال بالاحتكام إلى صوت العقل والنزول عند رغبة الشعب والذي قال كلمته وعبر عن رأيه فيهم صراحة وقرر مصيره وأمتلك قراره وأعد مشروعه و رؤيته للحل وبناء الوطن الذي من أجله يناضل ليحيا عزيزا أو يموت دونه شهيد.
ولا يخفى على أحد إن تآمر هولاء الأعداء وتعنتهم هذا ومشروعهم الأحادي والاقصائي هو الذي قاد بلادنا إلى الحروب وعدم الاستقرار والذي توج بحرب الخامس عشر من ابريل 2023م والتي كانت متوقعة نتيجة للأزمة التراكمية التي لازمتنا منذ خروج المستعمر في العام 1956م
الحرب كله شر ولكنها كشفت نوايا العسكر ومدى تشبثهم بالسلطة ولو على جماجم الشعب الذي كان يراهن على انحيازه إلى جانبه في ثورته السلمية تحت شعار (جيش واحد شعب واحد) ولكنه خيب ظنه واختطف ثورته ودخل في الحرب كطرف أصيل طمعا في السلطة والثروة في الوقت الذي كان غاية أمل الثوار الحكم المدني دون إراقة دماء
كما إنها قد عصفت بأحلام آخرين كانوا يظنون أنهم في حكم الدولة خالدون باعتباره إرثا وامتيازا تاريخيا يجب المحافظة عليه والوقوف في وجه كل من يثور ورفض أي تغيير يرونه مهددا لمكتسباتهم لذا اشعلوا هذه الحرب و سابقاتها من حروب السودان وصاروا بعدها يبشرون بالانفصال (دولة النهر والبحر نموذجا) بعد ما أعيتهم الحيلة وعركتهم الحرب بثقالها .
وأيضا لا نغفل الدور السلبي الذي لعبته بعض حركات الكفاح المسلح بالتخلي عن الحياد الذي أعلنته بداية الحرب والوقوف إلى جانب الجيش في حربه التي أسماها زورا بحرب الكرامة طمعا في السلطة والمال وكذلك الدور الخطير للكثير من الأحزاب السودانية والمجموعات التي انشقت و تفرعت منها في تعطيل مسار الثورة وإيقاف عجلة التغيير والتحرير وكلها ماتزال تمارس هذا الدور عبر مناوراتها وتكتيكاتها ومؤامراتها الخبيثة في الخديعة وخلط الأوراق واللعب على عدة جبهات ومحاور (الدخول بصرفتين أو شد حلتين) والتمسك بالعسكر ولو على حساب الوطن والمدنية المنشودة إن كان في التغيير مهدد لوجودهم ومكتسباتهم الموروثة ولذلك كثيرا ما وقعت مواثيق وكونت تحالفات وجبهات ولكن بعضها لم يستمر وحدثت فيها انقسامات وتباينات في الرؤى والأهداف أو عصفت بها رياح المطامع والمصالح والبعض منها لم تكن سوى تحالفات وواجهات من صنع العسكر ولكن مع ذلك ورغم كل العراقيل والمتاريس واشتداد أوار الحرب الأمل معقود على تكوين أكبرجبهة مدنية لإيقاف وإنهاء الحرب ولاتستثي سوى المؤتمر الوطني وواجهاته جبهة تتجاوز كل اصطفافات واخفاقات الماضي وصولا لإجراء الجوار السوداني السوداني لمخاطبة جذور الأزمة التاريخية لبناء وطن بسعنا جميعا.



