مقالات الرأي

السودان وضياع الفرص من ثورات التحرر إلى حرب الدولة وانهيار مسار الانتقال

بقلم: نجم الدين خميس(Najm)


15 أبريل 2026

يمثل السودان حالة مستمرة من تعثر الانتقال السياسي في التاريخ الحديث وعلى الرغم من الثورات المتكررة والموارد الطبيعية والبشرية الكبيرة لم يتمكن من ترسيخ مؤسسات دولة مستقرة ويستند هذا التحليل إلى مسار السودان منذ ما بعد الاستقلال وحتى ثورة ديسمبر 2018 وصولا إلى اندلاع الحرب الشاملة في أبريل 2023 في إطار يفهم الأزمة من منظور الدولة الهشة والاقتصاد السياسي للصراع مع التأكيد على أن الأزمة بنيوية وليست ظرفية

تتمثل طبيعة الأزمة السودانية في كونها أزمة ممتدة في بنية الدولة وإدارة السلطة والانتقال السياسي وليست نتاج أحداث منفصلة أو طارئة ورغم تعدد لحظات التغيير السياسي ظل السودان يدور في حلقة متكررة من ثورة تُسقط نظاما ثم انتقال هش يعقبه عودة إلى الصراع أو الانهيار

يمتد نمط فشل الانتقال السياسي عبر التاريخ الحديث حيث انتهت ثورة أكتوبر 1964 إلى إسقاط الحكم العسكري دون تأسيس مؤسسي مستقر ولم تنتج انتفاضة أبريل 1985 إصلاحا بنيويا للدولة فيما واجهت ثورة ديسمبر 2018 أزمة ازدواج السلطة وضعف التوافق الوطني وهو ما يعكس عجزا متكررا في إنتاج دولة مستقرة بعد لحظات التغيير الكبرى

لم تكن الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق حوادث هامشية بل تعبيرا عن اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة وقد أدى ذلك إلى إضعاف الاندماج الوطني وظهور سلطات مسلحة موازية وتآكل شرعية الدولة المركزية مما قلص قدرة الدولة على احتكار العنف المشروع

يمثل اندلاع الحرب في أبريل 2023 نقطة تحول حاسمة حيث انتقلت الأزمة من كونها صراعا سياسيا إلى انهيار واسع في مؤسسات الدولة وتوسع العنف داخل المدن وتفاقم الأزمة الإنسانية والنزوح وتراجع سلطة الدولة المركزية بما يعكس مستوى متقدما من التفكك البنيوي للدولة

ومع دخول الحرب في السودان عامها الرابع في 15 أبريل 2026 تتعمق الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق حيث يعيش ملايين السودانيين بين النزوح الداخلي واللجوء خارج البلاد في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث كما تتزايد المخاطر المرتبطة بضياع جيل كامل نتيجة توقف التعليم وتدهور الخدمات الأساسية وانهيار البنية الاجتماعية

وفي السياق نفسه تتصاعد خطابات الكراهية والانقسام المجتمعي بشكل خطير مما يهدد النسيج الاجتماعي السوداني ويعمق الانقسام بين المكونات المختلفة ويجعل فرص المصالحة الوطنية أكثر تعقيدا في المستقبل

شهدت الأزمة السودانية جهودا دولية وإقليمية متعددة من بينها مؤتمرات ومسارات حوار مثل مؤتمر برلين هل تهدف علي وقف الحرب ومعالجة الجذور العميقة للأزمة وتحويله الي عملية حوار سوداني سوداني حقيقية

تتجذر أزمة السودان في مجموعة عوامل بنيوية مترابطة تشمل تعدد مراكز السلطة بين المدنيين والعسكريين والقوى المسلحة وقيام اقتصاد قائم على الحرب والموارد غير المنظمة وضعف المؤسسات الانتقالية واختلال العلاقة بين المركز والهامش إلى جانب التدخلات الخارجية والإقليمية وهو ما ينتج حلقة مستمرة من إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها

في ضوء ذلك يمكن تصور مستقبل السودان عبر مسارات محتملة تشمل تسوية سياسية هشة توقف الحرب دون معالجة الجذور أو تفكك ممتد تتراجع فيه سلطة الدولة لصالح قوى محلية مسلحة أو تجميد للصراع في حالة لا حرب ولا سلام مع شلل اقتصادي ومؤسسي أو إعادة تأسيس الدولة عبر إصلاح القطاع الأمني ووضع دستور جديد وإعادة بناء الاقتصاد السياسي للدولة

يتطلب الانتقال إلى سلام حقيقي احتكار الدولة للسلاح وتحقيق العدالة الانتقالية وتفكيك اقتصاد الحرب وإطلاق مصالحة وطنية شاملة إضافة إلى دعم دولي يعزز الحل الوطني الداخلي

يتقاطع هذا التحليل مع الرؤية الدولية في خمس خلاصات أساسية تتمثل في أن الأزمة بنيوية وليست مؤقتة وأن خطر تفكك الدولة حقيقي ومتزايد وأنه لا يوجد حل عسكري أو جزئي للأزمة وأن الحل يجب أن يكون سوداني القيادة والملكية وأن حماية المدنيين وتقليل العنف تمثل أولوية عاجلة

ويخلص التحليل إلى أن السودان لا يعاني من نقص الفرص بل من عجز تاريخي في تحويل الفرص إلى مؤسسات دولة مستقرة وأن الأزمة ليست أزمة نظام سياسي فقط بل أزمة دولة في طور التكوين غير المكتمل بما يضع البلاد أمام خيارين إما إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة أو استمرار دورة الأزمة والانهيار الانتقالي المستمر.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x