مقالات الرأي

الشباب السوداني بين الماضي والحاضر والمستقبل: حكاية إنسان يبحث عن وطن يتّسع لأحلامه


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


الشباب في السودان ليسوا مجرد أرقام في تقارير رسمية أو عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل هم قصص إنسانية حيّة، لكل واحد منهم حكاية حلم بدأ صغيرًا ثم اصطدم بواقع قاسٍ، فإما أن ينكسر أو يبحث له عن طريق آخر. منذ سنوات طويلة، يعيش الشباب السوداني حالة شدّ وجذب بين الانتماء لوطنه والرغبة في النجاة بنفسه، بين حب الأرض التي نشأ عليها، والخوف من أن تضيع حياته دون أن يجد فرصة حقيقية لإثبات ذاته. هذه المعاناة لم تنشأ فجأة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قابلها صبر عميق من الشباب، لم يكن ضعفًا بقدر ما كان تعبيرًا عن إيمان راسخ بأن الغد قد يكون أفضل.
نشأ الشباب السوداني في سياق تاريخي معقّد، حيث تداخل الإرث الاستعماري مع تحديات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال. فقد ورث السودان دولة تعاني من هشاشة المؤسسات، وضعف البنية الاقتصادية، وتفاوت واضح في التنمية بين الأقاليم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على واقع الشباب وفرصهم في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة. في العقود الأولى بعد الاستقلال، لعب الشباب دورًا بارزًا في الحراك السياسي والاجتماعي، وبرزت مساهماتهم في الحركات الطلابية والنقابية، وكانوا في طليعة الأصوات المطالبة بالتغيير وبناء وطن يسوده العدل والمساواة. غير أن توالي الانقلابات العسكرية، وعدم الاستقرار السياسي، حال دون تحقيق هذه الطموحات، وأدى إلى إضعاف دور الشباب وتقييد قدرتهم على التأثير.
مثّل التعليم، لفترة طويلة، الحلم الجماعي الأكبر للشباب السوداني وأسرهم، إذ آمنت الغالبية بأن التعليم هو الطريق الأضمن لتحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. بذل الشباب جهودًا كبيرة في التحصيل العلمي، رغم ضعف الإمكانيات وشح الموارد، خاصة في المناطق الطرفية، غير أن هذا الحلم بدأ يتآكل تدريجيًا مع تزايد أعداد الخريجين مقابل محدودية فرص العمل، ما خلق فجوة مؤلمة بين ما يحمله الشباب من مؤهلات علمية وطموحات كبيرة، وبين واقع لا يمنحهم سوى القليل من الفرص.
في الحاضر، يواجه الشباب السوداني واقعًا أكثر قسوة وتعقيدًا، حيث أصبحت البطالة من أخطر التحديات التي تهدد استقرارهم النفسي والاجتماعي. يجد آلاف الخريجين أنفسهم بلا عمل، أو يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، مما يولد شعورًا بالإحباط وفقدان الأمل، ويؤثر سلبًا على نظرتهم للمستقبل. كما أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة زادت من الأعباء الملقاة على عاتق الشباب، الذين غالبًا ما يتحملون مسؤولية إعالة أسرهم في سن مبكرة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.
لم يكن الشباب بعيدين عن الأزمات السياسية التي عصفت بالبلاد، بل كانوا في قلبها، وشاركوا بفاعلية في الحراك الشعبي، مقدمين تضحيات كبيرة من أجل تحقيق مطالب الحرية والسلام والعدالة. ومع ذلك، كثيرًا ما شعروا بأن تضحياتهم لم تُترجم إلى تغييرات ملموسة في حياتهم اليومية، وأنهم ظلوا مهمشين في دوائر صنع القرار، الأمر الذي عمّق شعورهم بالخذلان وأضعف ثقتهم في المؤسسات الرسمية.
أمام انسداد الأفق داخل الوطن، أصبحت الهجرة خيارًا شبه حتمي لكثير من الشباب السوداني. لم تعد الهجرة مجرد بحث عن تحسين الدخل، بل تحولت إلى وسيلة للبحث عن الكرامة وتحقيق الذات، حتى وإن كان ذلك على حساب الابتعاد عن الوطن والأهل. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته آلامًا نفسية عميقة، تتجسد في الشعور بالغربة، والانقسام الداخلي بين الانتماء لوطن يُحب، ومستقبل يُبحث عنه في مكان آخر.
ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن اختزال تجربة الشباب السوداني في الألم والمعاناة فقط، إذ أظهروا قدرة كبيرة على الصبر والتحمل، وهو صبر لا ينبغي تفسيره على أنه ضعف أو استسلام، بل هو تعبير عن وعي عميق وإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والمجتمع. شارك الشباب في المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي، وأسهموا في دعم الفئات الأضعف، وابتكروا مساحات بديلة للأمل، في مجالات الثقافة وريادة الأعمال والعمل الأهلي، في محاولة لصناعة واقع مختلف، ولو بإمكانات محدودة.
ظل الحلم حاضرًا في وجدان الشباب السوداني، رغم كل ما واجهوه من خيبات، حلم بوطن عادل يتّسع للجميع، ويوفر فرصًا متكافئة، ويمنح أبناءه الحق في العيش الكريم. هذا الحلم لم يكن ترفًا فكريًا، بل كان وسيلة للمقاومة النفسية، ومحاولة للحفاظ على التوازن في وجه واقع قاسٍ ومتغير.
إن الحديث عن مستقبل الشباب السوداني يظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة والمجتمع على إعادة بناء الثقة معهم، وإشراكهم بصدق في عملية صنع القرار، والاستثمار الحقيقي في قدراتهم من خلال التعليم الجيد، والتدريب المهني، ودعم المبادرات الإنتاجية. فالشباب ليسوا عبئًا على الوطن، بل هم طاقته الكامنة، ورأسماله الحقيقي، القادر على إحداث التغيير إذا ما أُتيحت له الفرصة.
وفي الختام، تبقى حكاية الشباب السوداني حكاية إنسان يبحث عن وطن يتّسع لحلمه، وطن لا يخذله حين يحلم، ولا يدفعه قسرًا إلى الهروب أو الانكسار. وبين ماضٍ مثقل بالتحديات، وحاضر مليء بالأزمات، ومستقبل لم تتضح ملامحه بعد، يظل الأمل معقودًا على وعي الشباب وإصرارهم، وعلى قدرة الوطن على احتضانهم، لأن نهضة السودان الحقيقية لن تتحقق إلا بسواعد شبابه، وبإيمان صادق بدورهم في صناعة الغد.
بتاريخ٢١ديسمبر٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x