الشباب بين البندقية والمنفى:

بقلم: عاطف محمد أحمد
في كل حرب، هناك جبهتان: جبهة النار، وجبهة المنافي. وشباب السودان اليوم محشورون بينهما، مجبرون على الاختيار بين موت سريع برصاصة، أو موت بطيء في الغربة.
أولاً: البندقية… التجنيد الإجباري يلتهم الحلم
من الخرطوم إلى زالنجي، تحولت الجامعات إلى ثكنات، والمستقبل إلى رقم عسكري. خريج الطب يُساق للقتال قبل أن يلمس سماعة، والمهندس يُجند قبل أن يرسم خريطة. أطراف الصراع تتسابق على “حطب الحرب” من أبناء الفقراء. لا راتب، لا تدريب، لا قضية. فقط وعود كاذبة أو تهديد بالتصفية بتهمة “الخيانة”. هذه ليست مقاومة، هذا انتحار جماعي لجيل كامل.
ثانياً: المنفى… نزيف العقول لا يتوقف
من لم تحمله البندقية، حملته طائرات القاهرة وكمبالا وبواخر جدة. خريجو جامعة الخرطوم والنيلين وزالنجي يغسلون الصحون في مصر، ويبيعون الشاي في ليبيا، ويتكدسون في معسكرات أوغندا. السودان يخسر طبيبه، ومعلمه، ومبرمجه، ومزارعه. نخسر 16 سنة تعليم في تذكرة باص. والدول التي تستقبلهم تربح عقولاً جاهزة بالمجان. نحن نصدر الكفاءات ونستورد المرتزقة. أي عبث هذا؟
ثالثاً: من المستفيد من تفريغ السودان؟
اسأل نفسك: من يكسب عندما يهرب الشباب؟
يكسب أمراء الحرب، لأن الشاب المتعلم يسأل “لماذا نقاتل؟”، أما الطفل المجند فلا يسأل. يكسب تجار الإقامات والتهريب. ويكسب العدو الذي يريد أرضاً بلا شعب، وذهباً بلا شاهد.
تفريغ السودان من شبابه هو المخطط الأخطر. دولة بلا شباب هي جثة تنتظر الدفن. لا تعمير، لا إنتاج، لا مقاومة، لا مستقبل.
الحل ليس شعاراً:
- *تجريم التجنيد القسري للطلاب والخريجين فوراً، واعتباره جريمة حرب.
- مشروع وطني للعودة الطوعية يضمن للخريج وظيفة وأمان، لا سجن واستجواب.
- إيقاف الحرب، لأن السلام هو التأشيرة الوحيدة التي تعيد العقول المهاجرة.
يا سادة الحرب: البندقية التي تقتل شاباً اليوم، تقتل وطناً غداً. والمنفى الذي يبتلع خريجاً، يبتلع معه الأمل.
شبابنا ليسوا وقوداً لمعارككم، ولا فائضاً بشرياً للتصدير. هم أصحاب هذا البلد وورثته الشرعيون.
أعيدوا لهم جامعاتهم، يستعيد السودان عافيته.
معاً نحو وطن يسع الجميع



