الشباب والغيرة الوطنية في السودان: أين الروح الوطنية في ظل حرب المعلومات وانتماءات الجيل الجديد؟

بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )
لم يعد الحديث عن الغيرة الوطنية في السودان سردًا خطابيًا رسمياً، بل خطابًا تفاعليًا يُطرح في ظل حرب مستمرة، وتشظّي سياسي، ونزوح واسع، وانهيار مؤسسات، وحرب معلومات تُعيد تشكيل هوية الجيل الجديد .
الشباب السوداني اليوم يعيش بين الانتماء إلى الوطن والانكسار أمام صور الحرب وخطاباتها، ما يُعيد رسم مفهوم الغيرة الوطنية.
حرب المعلومات وتأثّر الهوية الوطنية
صارت منصات التواصل الرقمية ساحة صراع موازية للحرب العسكرية، تُستخدم لصياغة سرديات بديلة، وتصنيف الآخرين، ورسم خرائط للانتماءات الوطنية والسياسية .
في هذا السياق، تُصبح الهوية الوطنية للشباب أكثر تعقيداً؛ فلا يعود الوطن مجرد فضاء جغرافي، بل يُختزل أحيانًا في انتماءات فصيلية أو طائفية، بينما يضعف الانتماء للمصلحة العامة .
انتماءات الجيل الجديد بين الوطنية والهويات المتفرعة
الجيل الجديد يحمل انتماءات متراكبة؛
بعض الشباب ينتمي إلى قوى سياسية أو عسكرية، فيشكل نوعًا من الغيرة الوطنية المرتبطة بالفصيل لا بالدولة أو المجتمع .
آخرون ينتمون إلى القبيلة أو الإقليم بوصفها شبكة حماية، بينما يغيب الانتماء الوطني الشامل .
وفئة ثالثة تتجه إلى انتماءات مدنية ومجتمعية، حيث يتعزز الانتماء للعمل الإنساني والمبادرات الشبابية أكثر من الولاء للرمزيات التقليدية للدولة .
من العاطفة إلى الرؤية المدنية
مع تعمّق الأزمة، بدأ جزء من الشباب يعيد تشكيل فهمه للغيرة الوطنية باتجاه الانتماء المدني الإنساني، عبر مبادرات المساعدة، وتنظيم المخيمات، وحملات وقف الحرب، وبناء شبكات دعم المجتمعات المحلية .
هذا النوع من الغيرة الوطنية يُعبر عن انتماء لـ “السودان كإنسان” لا لشعار حزبي، وهو ما يمكن أن يُشكّل حجر الأساس لمشروع وطني مدني جديد.
أين الروح الوطنية إذًا؟
الروح الوطنية ليست غائبة، بل مشتّتة؛ تظهر في الشتات حين يحافظ الشباب على صورة الوطن حية في ذاكرة الأبناء، وفي الميدان حين يرفض كثير منهم أن يكونوا وقودًا للحرب، وفي الفضاء الرقمي حين يحاول البعض بناء سرديات وطنية تجمع لا تقسم .
إعادة تجميع هذه الخيوط يقتضي مشروعًا وطنيًا واضحًا يضع الشباب في قلب العملية السياسية والاجتماعية.
خاتمة:
شباب السودان كمشروع وطني
لإحياء الغيرة الوطنية في السودان، لا يكفي التحريض العاطفي؛ بل لا بد من استثمار ممنهج في الشباب كشريك وطني، عبر برامج توعوية تُعيد صياغة الهوية الوطنية بشكل شامل، وفتح مسارات مشاركة حقيقية في صنع القرار، وبناء رؤية وطنية موحّدة تُعيد الاعتبار للقيم المدنية والمواطنة والسلام .
عندما يُعامل الشباب كمشروع وطني لا مادة للتعبئة، تعود الروح الوطنية إلى أن تكون فاعلة وليست شعاراتية.



