مقالات الرأي

الشهادة السودانية: حين يغتال “التعنت” مستقبل جيل كامل

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)

بينما كان من المفترض أن تكون “الشهادة السودانية” هي الحبل السري الذي يربط وجدان هذا الوطن الممزق، تحولت اليوم بفعل الإصرار على التسييس إلى سكينٍ جديدة تُقسّم ما تبقى من النسيج الاجتماعي. تقرير “المبادرة القومية الطارئة” الصادر اليوم يضع النقاط على الحروف، ويكشف عورة الواقع الذي نعيشه: ربع مليون طالب وطالبة يُلقى بهم في غياهب النسيان التعليمي، لا لشيء إلا لأنهم يتواجدون في جغرافيا لا تروق لمراكز القرار.
صناعة الانقسام بـ “الحبر والورق”
إن حرمان نحو 280 ألف طالب من حقهم الطبيعي في الجلوس للامتحان، وللمرة الثالثة لبعضهم، ليس مجرد “عقبة إدارية” أو “ضرورة أمنية” كما يحاول البعض تصويرها، بل هو جريمة سياسية مكتملة الأركان. إنه قرار بوقف عقارب الساعة في حياة جيل كامل، وتحويل التعليم من “حق مشاع” إلى “امتياز سياسي” يُمنح ويُمنع بناءً على خارطة السيطرة العسكرية.
لقد صدقت المبادرة في تحذيرها: هذا التمييز هو “خطر وجودي”. إننا بصدد تحويل الشهادة السودانية من رمز للوحدة الوطنية إلى أداة لترسيخ خطاب الكراهية والعنصرية. حين يشعر الطالب في نيالا، زالنجي، أو الدمازين أنه مستثنى من “المنظومة الوطنية” بقرار سياسي، فإننا لا نفقد طالباً فحسب، بل نزرع بذور الشقاق التي ستحصدها الأجيال القادمة حروباً ومرارات لا تنتهي.
جدار الصمت ورفض الحلول المرنة
ما يثير الغضب والحسرة، هو ما كشف عنه تقرير المبادرة من “مرونة” قُوبلت بـ “تعنت” صلب. لقد قدمت المبادرة مقترحات تجعل من الامتحان منصة للوحدة لا للفرقة، ترتكز على:
إدارة متنوعة: تكوين لجنة فنية محايدة سياسياً للإشراف على العملية.
تنسيق شامل: تجاوز خطوط النار لضمان وصول أوراق الامتحانات وتأمين المراكز.
شمولية جغرافية: ضمان ألا يُستثنى شبر واحد من أرض السودان، استعادةً لهيبة الشهادة القومية.
وبينما استجابت قوى كـ “حكومة السلام والوحدة” وحركة جيش تحرير السودان لهذه المساعي، ظل الجانب الآخر متمترساً خلف جدار من الصمت. هذا الرفض هو رفض لمبدأ “الوطن الواحد” الذي يلتقي فيه طلاب دارفور وكردفان والنيل الأزرق مع أقرانهم في بقية الولايات على ورقة امتحان واحدة.
“حماية حق التعليم ليست ترفاً، بل هي الحد الأدنى من العدالة الإنسانية، وأي مقايضة لمستقبل التلاميذ بالمكاسب السياسية هي سقوط أخلاقي مريع.”
نداء أخير.. قبل فوات الأوان
إنني من منصتي هذه، أضم صوتي لصوت “المبادرة القومية الطارئة”، وأطالب السلطات في مناطق سيطرة القوات المسلحة بمراجعة هذا الموقف الكارثي. إن التاريخ لن يغفر لمن جعل من دفاتر التلاميذ متاريس في حرب سياسية، ومن حوّل القلم إلى أداة للإقصاء بدلاً من البناء.
على المجتمع الدولي والهيئات الإقليمية ألا تكتفي بموقف المتفرج. نحن بحاجة إلى “هدنة تعليمية” عاجلة، تضع مصلحة الربع مليون طالب فوق الحسابات الضيقة لجنرالات الحرب والسياسة. التعليم هو الخيط الأخير الذي يمسك بوجداننا المشترك؛ فإذا انقطع، سقطنا جميعاً في هاوية لا قرار لها.
ارفعوا أيديكم عن مستقبل أبنائنا.. دعوهم يمتحنون، ليبقى للسودان أمل في البقاء.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x