مقالات الرأي

الصفوة التي تدور.. والسودان الذي لا يقوم


بقلم: أ/عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


منذ أن نال السودان استقلاله السياسي في عام 1956م، دخلت البلاد في متاهة لم تخرج منها حتى اليوم، وكأن الاستقلال كان مجرد بطاقة دخول إلى ساحة صراع دائم، لا إلى دولة حقيقية تليق بأبنائها. فالثابت في المشهد السوداني، عبر كل هذه العقود، أن النخب المتعاقبة على الحكم، سواء كانت عسكرية أم مدنية، لم تفهم أبداً أن السياسة ليست لعبة تنتهي بانتصار فريق وهزيمة آخر، بل هي مسؤولية وجودية تجاه شعب ينتظر الغداء قبل الغد، ويعاني من انهيار العملة قبل انهيار الأحلام. وهكذا، ظلت هذه “الصفوة” تدور في حلقة مفرغة من المناورات والصفقات والوعود الكاذبة، بينما السودان يظل مكانه، يتألم وينهار، ولا يقوم.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف لنا أن ننهض ونحن نفتقر إلى أبسط مقومات النهضة، وهي الحرية؟ الحرية ليست كلمة تزين المظاهرات أو تتردد في خطابات التنصيب، بل هي شرط أساسي لانطلاق العقول وتحرير الطاقات الإبداعية، وهي الضمانة الوحيدة لأن يشارك المواطن في بناء وطنه بدلاً من أن يكون مجرد متفرج على مسرح العبث السياسي. لكن الصفوة الحاكمة، التي تعودت على القبض لا العطاء، تنظر إلى الحرية باعتبارها تهديداً لمصالحها ومكاسبها، ولذلك تعمل بكل ما أوتيت من قوة على تقويضها وتكميم الأفواه وتجريم الرأي المخالف، متناسية أن الشعوب التي تنعم بالحرية هي وحدها القادرة على الإبداع والتقدم، بينما الشعوب المستعبدة تظل أسيرة التخلف والتبعية. ولعل ما يحدث اليوم في السودان، من قمع واحتجازات وتقييد للحريات، هو دليل واضح على أن هؤلاء الحكام لم يتعلموا من دروس التاريخ، ولم يستوعبوا أن الحرية ليست رفاهية يمكن التخلي عنها، بل هي البوصلة التي تقود الأمم نحو النهضة والازدهار.
أما الاستقرار، فهو الهاجس الأكبر الذي يلوح به الحكام كلما أرادوا تبرير أفعالهم أو تمرير سياساتهم، وكأن الاستقرار غاية في حد ذاته، يمكن تحقيقه بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو التضحية بالعدالة نفسها. ولكن الحقيقة التي يرفض هؤلاء الاعتراف بها هي أن الاستقرار الذي لا يقوم على أسس من العدالة والمساواة، هو مجرد وهم سرعان ما يتبدد، بل هو قنبلة موقوتة تنتظر لحظة انفجارها. فالسودان، على امتداد تاريخه، دفع ثمناً باهظاً لمحاولات فرض الاستقرار بالقوة أو عبر التراضيات النخبوية التي تتنازل عن حقوق الغالبية لصالح أقلية متنفذة. والحرب الحالية التي تمزق البلاد منذ أبريل 2023م ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة طبيعية لعقود من التهميش والإقصاء، وسياسات تعتمد على المركزية المستبدة التي لا تبقي ولا تذر، وتزج بالبلاد في نفق مظلم لا نهاية له في الأفق. إن أي محاولة لتحقيق استقرار حقيقي يجب أن تبدأ بالاعتراف بأن العدالة هي الأساس الذي يُبنى عليه السلام، وأن الظلم لا يولد إلا ظلماً مضاعفاً، وأن الفئات التي تم تهميشها لسنوات لن تقبل بالعودة إلى مربع الصفر بعد أن ذاقت طعم النضال وعرفت حقها في الحياة الكريمة. وبدون عدالة شاملة، ومحاسبة جريئة للمتورطين في جرائم بحق الشعب السوداني، سيبقى الاستقرار مجرد أمنية بعيدة المنال، وسيظل السودان يدور في دائرة العنف والدماء دون أن يجد مخرجاً.
ولعل الأخطر من كل ذلك هو غياب الإرادة الوطنية الجامعة، تلك الإرادة التي يمكنها أن تجمع شمل السودانيين وتوحد جهودهم لبناء مستقبل مشرق يليق بتاريخهم وحضارتهم. فبدلاً من أن تكون الإرادة الوطنية هي المحرك الأساسي للسياسة السودانية، نجد أنفسنا أمام مشهد متناثر من الإرادات المتشظية، كل نخبة تغني على ليلاها، وكل حزب يرى نفسه وحده صاحب الحق في القيادة، وكأن الوطن ملكية خاصة لأقلية مستفيدة من استمرار الفوضى. هذه النخب، التي نشأت وتدربت على الصراع وليس على البناء، تتعامل مع السلطة وكأنها غنيمة يجب اقتسامها، لا أمانة يجب الحفاظ عليها، ومشروعها في الحكم لا يتجاوز الحفاظ على مكاسبها ومناصبها، بعيداً عن هموم الناس التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. وحتى في لحظات التحول الديمقراطي التي كانت تأمل الأغلبية فيها بأن تكون فاتحة خير وتغيير حقيقي، كانت هذه النخب تنشغل بصراعاتها الداخلية وخلافاتها الشخصية، وتضيع الفرصة الذهبية لبناء دولة حديثة قائمة على المواطنة المتساوية واحترام التنوع. وكأن السودان، بكل تناقضاته وثرائه، مجرد أداة في يد هذه الصفوة لتحقيق طموحاتها الضيقة، لا وطناً له أبناء يستحقون العيش بكرامة وعزة.
وليس غريباً بعد كل ذلك، أن تفشل هذه الحكومات المتعاقبة في بناء وطن حقيقي، لأن جوهر المشكلة ليس في تغيير الأشخاص أو تبديل الوجوه، بل في العقلية نفسها، وفي القواعد التي وضعتها هذه الصفوة لتبقى هي المسيطرة على مقاليد الأمور، وليظل الشعب السوداني أسيراً لصراعاتها ومكايدها. هذه النخب التي تعودت على التعامل مع الوطن كوسيلة لا كغاية، ومع الشعب كأداة لا كشريك، لا يمكنها أن تقود البلاد نحو المستقبل المنشود، لأنها تفتقر إلى الرؤية والإخلاص والحكمة، وكل ما تجيده هو إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة، ومحاولة كسب الوقت على أمل أن تفلت من تداعيات كارثتها، غافلة عن أن الصبر الشعبي له حدود، وأن التاريخ لا يرحم من خانوا أمانته. وحتى في تعاملها مع المحيط الخارجي، راهنت هذه الصفوة على الدعم الأجنبي ووثقت في الوعود الدولية، فباعت السيادة الوطنية وأهدرت كرامة البلاد، وجعلت السودان رهينة لإرادات لا تعنيها مصلحة الشعب بقدر ما تعنيها مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، فتحول الوطن إلى ساحة لتجارب الآخرين ونزاعاتهم، وإلى منطقة للتسويات التي تخدم أجندات بعيدة عن هموم السودانيين الحقيقية.
في النهاية، يظل السؤال الأعظم معلقاً في الهواء، يبحث عن إجابة شافية ووافية: متى يتوقف هذا الدوران الذي لا ينتهي؟ متى تعي هذه الصفوة أن النهضة لا تُبنى بالدوران ولا بالوعود الفارغة، وأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق على أنقاض العدالة، وأن المستقبل الحقيقي لا يصنعه من يجهل معنى الإرادة الوطنية؟ السودان، بكل ما يملك من ثروات وموارد وإمكانيات بشرية هائلة، يستحق أكثر مما يحدث له اليوم، ويستحق قيادة واعية تدرك أن الحكم تكليف لا تشريف، وأن الأوطان لا تبنى على أكتاف من لا يحملون همومها، ولا تقوم بأيدٍ تعودت القبض لا العطاء. إن الطريق إلى الخلاص يمر عبر وعي شعبي لا يرحم، وإرادة وطنية لا تهادن، وعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة الشاملة، بعيداً عن هيمنة هذه الصفوة التي أنهكت البلاد وأرهقت العباد. فلتدر هذه الصفوة بعيداً، وليتركوا السودان لأهله، ومتى عاد الحق إلى أهله، قام الوطن، وازدهرت النهضة، وتحقق الاستقرار، وصُنع المستقبل بأيادٍ سودانية حرة، لا بصفقة نخبوية تبحث عن منفعة آنية على حساب أجيال قادمة تنتظر الغد بفارغ الصبر، وتستحق العيش بكرامة تناسب تاريخاً عريقاً وشعباً أبياً لا يرضى بالذل ولا يقبل بالتبعية.
بتاريخ 22يونيو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x