مقالات الرأي

الظاهرة الدينارية في سيرتي السلطان علي دينار وعبد الواحد نور

بقلم: يوسف الغوث

تبرز في التاريخ السوداني نماذجُ لا تقاس بقوة جيوشها بل بصلابة مبادئها، ومن أبرزها السلطان علي دينار (آخر سلاطين الفور) والقائد عبد الواحد محمد نور (رئيس جيش تحرير السودان)، حيث يلتقيان في جوهرٍ واحدٍ هو رفض الانصياع لقوى التغول الداخلي والخارجي، وإن اختلف سياقهما التاريخي وأدوات مقاومتهما ،،فالأول واجه الاستعمار البريطاني في 1916، والثاني يواجه اليوم حرباً نخبويةً يعتبرها إعادة إنتاج للتهميش ذاته، ولتأصيل هذه الظاهرة ظاهراتياً، يفيدنا هايدغر في تحليله للوجود الأصيل حيث الإنسان مشروعٌ يتجاوز المعطى نحو الممكن، واذا كان السياسي مرهوناً بجدلية الصديق والعدو، فإن ديناراً ونوراً يقدمان انعطافةً نحو العدو المطلق الذي لا يُقهر بالتحالفات المؤقتة بل بالثبات على الذات، فالثائر الحقيقي لا يبني وعيه على مكاسب مرحلية بل على تطهير الذات من عقدة التابع، وهو ما يتجلى في رفض دينار دفع الجزية للبريطانيين، ثم في رفض نور عروضَ الدعم السعودي المشروطة بالانحياز لأحد طرفي الحرب،
ان هذا الرفض المزدوج للتبعية يُفضي إلى إثبات الإرادة الحرة، مؤكداً أن التحرر يبدأ بتطهير الإرادة قبل اشتعال المعركة، وانطلاقاً من هذا الأساس النظري، يبرز البعد الجغرافي بصفته محرضاً مادياً لهذا الثبات،
حيث يمثل جبل مرة في غرب السودان ساحة رمزية تختزل تاريخ المقاومة؛ فقد شهد استشهاد السلطان علي دينار في 1916م، حين اختار الموتَ على تراب وطنه بدلاً من الحياة المهينة، وبعد قرن يتخذ نور من الجبل نفسه معقلاً له، مُعيداً إنتاج المواجهة لكن في وجه هيمنةٍ مركزيةٍ تتمثل في صراع الفصائل، ان هذه الاستمرارية المكانية ليست مصادفة، بل تجعل الجغرافيا ذاكرةً جماعية تحوّل جبل مرة إلى نص مكاني يُقرأ في ضوء السيرة البطولية المضادة للهيمنة،
ثم إن جدلية الرفض تتفرع إلى مسارين متكاملين؛ فموقف دينار تمثل بمقاومة كلاسيكية مسلحة ضد عدو خارجي واضح، بينما قدّم نور نموذجاً معاصراً للمقاومة الأخلاقية التَرفعية، إذ أدرك أن حرب الجيش والدعم السريع هي حرب سلطةٍ زائلةٍ لا تمثل الهامش، فراح يمارس مقاومة الامتناع محولاً رفضَ الانحياز إلى فعلٍ سياسيٍّ يتجاوز الصراع الثنائي نحو أفق حلٍّ جذريٍّ يقوم على المواطنة والدولة المدنية، وهو تحولٌ استراتيجيٌّ لا يُقرأ كضعفٍ بل كتطوّرٍ لتعقيدات الدولة ما بعد الاستعمار،
ويتقاطعان أعمق في موقفهما من الإغراءات الخارجية، فرفض دينار الجزية ورفض نور العروض السعودية يؤسسان لفكرة الرفض كبنية وجودية حيث يصبح الرفض جوهرَ الهوية السياسية وأداةَ إنتاج الذات التاريخية، وفي هذا الصدد أطلق بعض الصحفيين و الدبلوماسيون على نور لقب مستر (نو) لاختزال موقفه في نفيٍ سلبي، لكن لا
نور ليست مجرد رفض، بل هي مشروع سياسي متكامل، تجلى في مسارين متزامنين ففي نيروبي، وقعت حركة تحرير السودان وتحالف صمود وقوى مدنية اعلان المبادئ الذي أكد أنه لا حل عسكرياً في السودان، وطالب بالضغط على طرفي الحرب لوقف إطلاق النار، وأجاز اجتماع نيروبي في مايو خارطة طريق لوقف الحرب بمشاركة تحالف صمود وحزب البعث والمؤتمر السوداني، وفي يوليو صدر بيان ختامي جدد رفض إقحام حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في أي عملية سياسية، معتبراً أنهما يتحملان مسؤولية تقويض الدولة، وبالتزامن، عُقدت في أديس أبابا (أغسطس 2026) مشاورات للقوى المناهضة للحرب، ضمت قوى إعلان المبادئ وحزب المؤتمر الشعبي وتحالف الأمة بقيادة مبارك الفاضل وشبكات مدنية، وأسفرت عن وثيقة( عملية السلام التي نريد)، رفضت دعوة البرهان للحوار باعتبارها مناورة لشرعنة الحكم العسكري، ووضعت فاصلاً بين سلام حقيقي يبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، وبين حوارٍ تحت سلطة أحد طرفي القتال،
ان هذان المساران يكشفان عن نضج سياسي يتجاوز صورة القائد الميداني ليؤسس لرؤية وطنية واضحة فاستبعاد نظام المؤتمر الوطني، ورفض الحوار تحت مظلة السلطة الحربية، والإصرار على قيادة مدنية انتقالية، هو ما يمنح موقف نور بعداً فكرياً واستراتيجياً يضعه في مصاف صانعي المشروع الوطني، غير أن الإنصاف الأكاديمي يفرض وقفةً نقديةً، فخطاب الامتناع الأخلاقي المتسامي يصطدم بإشكالية الكلفة المزدوجة؛ إذ يدفع نور نفسه ثمن استقلاليته تهميشاً سياسياً واستهدافاً، بينما يدفع المدنيون في مناطق نفوذه ثمناً مضاعفاً يتمثل في غياب الحماية وتدهور الخدمات، ومن ثم يظل السؤال كيف تترجم المقاومة الأخلاقية إلى آليات ضغطٍ ملموسة في زمان لم يعد المجتمع الدولي يميز بين ظالمٍ ومظلومٍ بقدر ما يميز بين مصالحَ نافذةٍ وأخرى هامشية؟
إن هذه الثنائية تشكل مأساة سياسة الهامش، حيث دفع دينار حياته، ويدفع نور اليوم ثمناً مركباً، مما يفتح باب طرح واقعية أخلاقية،، توفق بين البقاء في المعترك والاحتفاظ بالثوابت،
ان تقاطع السيرتين يقدم مادة خصبةً لاستنتاج أن المقاومة السودانية ليست فعلاً عسكرياً طارئاً، بل موقفاً وجودياً متجذراً، فإذا خاض دينار معركته ببسالة كلاسيكية، فإن نور يخوض معركته بسلاح الموقف النقي ورفض الاستنزاف، مع امتلاك رؤية سياسية متكاملة تجمع بين الثبات على المبدأ والانخراط في بناء تحالفات وطنية ودولية ،،كما تجلى في مساري نيروبي وأديس أبابا، لكن التساؤل الأعمق يبقى ،،هل يكفي الرفض الأخلاقي لتوليد سياسة إيجابية قادرة على بناء الدولة، أم أن التاريخ السوداني أسير حلقة مفرغة يدفع فيها المخلصون ضريبة نقائهم بينما يقطف الانتهازيون الثمار؟
لعل الجواب في رؤية محمود محمد طه الذي جمع بين الثبات على المبدأ والمشروع التوحيدي، حيث لا يكون الرفض غايةً بل بوابةً لدولة يليق بتنوع السودان، وهنا تلتقي دينارية الأمس بنورية اليوم في ضمير أمة ترفض أن يكون مصيرها لعبةً بيدي المتنفذين، لتظل العظمة في السياسة مقاسةً
بعمق المبادئ لا بحجم الانتصارات العابرة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x