العدالة أم تصفية الحسابات؟ قضية الرئيس بازوم ونموذج “الخيانة العظمى” في الانقلابات الإفريقية

في المشهد السياسي الإفريقي المعاصر، تبرز ظاهرة ملاحقة الرؤساء المخلوعين قضائياً بتهمة “الخيانة العظمى” كأحد أبرز تجليات الصراع على السلطة، وكأداة سياسية تستخدمها الأنظمة العسكرية الجديدة لإضفاء الشرعية على وجودها وتصفية حساباتها مع رموز النظام السابق. وتُعد قضية الرئيس النيجري السابق محمد بازوم، الذي أطيح به في انقلاب عسكري في 26 يوليو 2023، النموذج الأكثر وضوحاً وصخباً لهذه الظاهرة في منطقة الساحل الإفريقي. فبعد مرور أكثر من عامين ونصف على احتجازه تعسفياً في القصر الرئاسي، لا يزال بازوم يواجه تهمة الخيانة التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، في قضية وصفتها منظمات حقوقية دولية وهيئات الأمم المتحدة بأنها “مسيسة” وتفتقر لأدنى معايير المحاكمة العادلة، وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي .
لفهم أبعاد هذه القضية المعقدة، لا بد من الغوص أولاً في شخصية محمد بازوم، الرجل الذي قاد النيجر في واحدة من أكثر الفترات الدقيقة في تاريخها. بازوم، البالغ من العمر 65 عاماً، هو معلم سابق ومهندس سياسي مخضرم، قضى عقوداً في العمل السياسي قبل أن يفوز بالانتخابات الرئاسية في عام 2021، في حدث وصف حينها بأنه أول انتقال سلمي للسلطة في النيجر منذ استقلالها عن فرنسا في عام 1960 . كان بازوم يحظى بدعم واسع من الغرب، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة، حيث اعتُبر حليفاً استراتيجياً رئيسياً في منطقة الساحل التي تعاني من تمرد الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش. على أراضيه، أنشأت القوات الغربية قواعد عسكرية لشن عملياتها ضد التنظيمات الإرهابية، وكانت النيجر تُنظر إليها على أنها آخر حصن للديمقراطية والاستقرار في منطقة تغرق يوماً بعد يوم في الفوضى والانقلابات العسكرية . لكن هذا التحالف الوثيق مع الغرب، والذي كان مصدر قوة لبازوم على المستوى الدولي، تحول إلى تهمة رئيسية ضده بعد الانقلاب، حيث استخدمه المجلس العسكري كذريعة لاتهامه بالخيانة والعمالة للأجندات الأجنبية.
الانقلاب نفسه لم يكن حدثاً مفاجئاً بالكامل لمن يتابع تعقيدات المشهد السياسي والأمني في النيجر. فخلف الكواليس، كانت تتراكم عدة عوامل مهدت لسقوط بازوم. من أبرز هذه العوامل التوترات العميقة داخل السلطة، وتحديداً بين الرئيس وقائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشياني، الذي كان قد عينه الرئيس السابق محمدو إيسوفو. ترددت أنباء قوية عن أن بازوم كان يخطط لإقالة تشياني من منصبه كجزء من عملية أوسع لاستبدال الموالين للرئيس السابق في المناصب العسكرية والسياسية الحساسة، مما دفع تشياني وحلفاءه إلى التحرك استباقياً لتنفيذ الانقلاب . إضافة إلى ذلك، كان هناك عامل الأوضاع الأمنية المتردية، وهو التبرير الذي استشهد به “المجلس الوطني لحماية الوطن” في بيانه الأول، حيث تشهد منطقة الساحل نشاطاً كبيراً للجماعات الإرهابية، وخاصة في المناطق الحدودية مع مالي، والتي كانت تخضع لحالة الطوارئ منذ عام 2017. وقد استغل العسكريون هذا الوضع لتقديم أنفسهم كقوة قادرة على فرض الأمن واستقرار البلاد، في مقابل عجز النظام المدني عن تحقيق ذلك .
ولكن العوامل الأعمق ربما تكمن في البنية الاجتماعية والاقتصادية للنيجر. فالبلاد تعد واحدة من أفقر دول العالم، حيث يعيش حوالي 41% من سكانها في فقر مدقع وفق إحصائيات عام 2021، وأكثر من 50% من الفئة العمرية من 7 إلى 16 سنة لا يتلقون تعليماً مدرسياً، كما تعاني ست من أصل ثماني محافظات من وباء الكوليرا . في ظل هذه الظروف المعيشية القاسية، كان الوجود الفرنسي والأمريكي يركز بشكل شبه حصري على القضايا الأمنية ومكافحة الإرهاب، حيث كانت المساعدات والمنح تذهب في معظمها للتدريب والتسليح، دون معالجة جذرية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الإرهاب. هذا الواقع فاقم من مشاعر الغضب الشعبي ضد الوجود الأجنبي، وجعل شعارات السيادة الوطنية التي رفعها الانقلابيون تلقى آذاناً صاغية في الشارع النيجري . وقد تجلت هذه المشاعر بوضوح في المظاهرات الحاشدة التي خرجت تأييداً للانقلاب، حيث تجمع الآلاف في ملعب سيني كونتشي في العاصمة نيامي، رافعين الأعلام الروسية ومرددين هتافات معادية لفرنسا .
ولم تقتصر العوامل على الجانب الاقتصادي والأمني، بل امتدت إلى البنية القبلية والإثنية المعقدة في النيجر. ففي مجتمع يتسم بدرجة عالية من التنوع الإثني والقبلي، كان ينحدر الرئيس محمد بازوم من أصول عربية، الأمر الذي لم يوفر له قاعدة اجتماعية صلبة، خاصة وأن القبائل العربية تشكل أقلية في البلاد. وقد واجه بازوم اتهامات من المعارضة بأنه من أصول أجنبية منذ بدء حملته الانتخابية. في المقابل، ينتمي قائد الانقلاب الجنرال عبد الرحمن تشياني إلى قبيلة الهوسا التي تشكل حوالي 50% من سكان النيجر، مما منحه غطاءً قبلياً وشعبياً أوسع . هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة خصبة للانقلاب، وجعلت مهمة العودة إلى النظام الدستوري أكثر تعقيداً مما توقعت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
بعد أسابيع قليلة من الانقلاب، وبينما كان بازوم لا يزال رهن الاحتجاز في القبو الرئاسي مع أسرته، أعلن المجلس العسكري الحاكم عزمه مقاضاته بتهمة “الخيانة العظمى” والمساس بالأمن الوطني . التهمة الأساسية التي يستند إليها الادعاء العسكري هي أن بازوم، خلال الأيام الأولى للانقلاب وبينما كان قيد الاحتجاز، أجرى اتصالات هاتفية مع قادة غربيين، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وذلك بهدف حشد الدعم الدولي لـ”تدخل عسكري” لإفشال الانقلاب وإعادة الشرعية الدستورية . يرى الادعاء أن هذه الاتصالات، التي تمت دون موافقة السلطات الجديدة، تشكل “مؤامرة ضد أمن الدولة” وتستدعي تهمة الخيانة. لكن المحامين الدوليين والخبراء القانونيين يؤكدون أن توجيه تهمة الخيانة لرئيس منتخب ديمقراطياً، من قبل السلطة الانقلابية التي أطاحت به و تحتجزه، هو إجراء غير قانوني ولا أساس له من الصحة، ويمثل قلباً صارخاً للمفاهيم القانونية. وقد صرح مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بأن هذه الملاحقة تفتقر إلى أي أساس قانوني، وأن احتجاز بازوم نفسه يشكل انتهاكاً للقانون الدولي .
لم تكن الإجراءات القانونية التي اتخذها المجلس العسكري ضد بازوم سوى انعكاس لغياب دولة القانون في النيجر منذ الانقلاب. ففي يونيو 2024، أعلنت “محكمة الدولة” في النيجر، وهي أعلى سلطة قضائية أنشأها النظام العسكري في نوفمبر 2023، رفع الحصانة عن الرئيس بازوم، مما مهد الطريق لمحاكمته رسمياً . محامو بازوم انتقدوا القرار بشدة، مؤكدين أن الإجراءات تخللتها انتهاكات جسيمة لحقوق الدفاع، حيث لم يتمكنوا من مقابلة موكلهم منذ أكتوبر 2023، وتم تجاهل طلباتهم بشكل منهجي من قبل السلطات. وفي سبتمبر 2024، تم الاستماع إلى بازوم في أول جلسة تحقيق رسمية، استمرت قرابة خمس ساعات، في مكان احتجازه وبحضور محاميه موسى كوليبالي، وذلك بعد أن رفض بازوم في اليوم السابق الإدلاء بأقواله في غياب دفاعه . لكن هذه الجلسة، رغم أنها مثلت تطوراً إجرائياً، لم تبدد المخاوف من مسرحة العدالة.
منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية وثقت بالتفصيل المخالفات الخطيرة التي شابت الإجراءات أمام محكمة الدولة، بما في ذلك انتهاك حقوق بازوم في تقديم أدلة الدفاع عنه، وفي التواصل مع محاميه بحرية، وفي أن تنظر محكمة مستقلة ونزيهة في قضيته. المنظمة أشارت إلى أن محكمة الدولة المنشأة حديثاً تفتقر إلى الاستقلالية الكافية عن السلطة العسكرية، مما يجعل أي حكم تصدره مشكوكاً في نزاهته . وفي خطوة لافتة، قضت محكمة العدل التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في ديسمبر 2023 بأن احتجاز بازوم هو “احتجاز تعسفي” وأمرت بإطلاق سراحه فوراً وإعادته إلى منصبه، لكن سلطات النيجر تجاهلت الحكم بكل صراحة، مؤكدة بذلك خروجها الكامل عن الإطار القانوني الإقليمي . وفي فبراير 2025، كررت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي نفس النتيجة، داعية المجتمع الدولي إلى الضغط على سلطات النيجر لإطلاق سراح الرئيس السابق وعائلته فوراً ودون قيد أو شرط.
مع اقتراب موعد محاكمة لم تحدد بعد، يعيش بازوم وزوجته خديجة في عزلة شبه تامة داخل القصر الرئاسي. منذ أكتوبر 2023، تم تقييد حركتهما داخل بضع غرف فقط، وصودرت هواتفهما المحمولة، وقطعت عنهما الكهرباء والماء النظيف في فترات طويلة، خاصة في الأيام الأولى للانقلاب . الاتصال الوحيد لهما بالعالم الخارجي يقتصر على زيارات منتظمة من جانب أحد الأطباء، الذي يتابع حالتهما الصحية بعد أن فقد بازوم قدراً مقلقاً من وزنه، وعانى ابنهما البالغ من العمر 20 عاماً، والذي يعاني من حالة مرضية مزمنة، من الحرمان من الرعاية الطبية اللازمة . وقد وصفت ابنة بازوم، زازيا، التي كانت في عطلة في فرنسا خلال الانقلاب، ظروف احتجاز عائلتها بأنها “غير إنسانية”، مؤكدة أنهم عاشوا على الأرز والمعكرونة فقط لأسابيع، وأن الطعام الطازج كان يتعفن في الثلاجة بسبب انقطاع الكهرباء .
محامي بازوم، موسى كوليبالي، أعرب عن خشيته من أن يواجه الرئيس السابق عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص إذا أدين، وذلك في محاكمة وصفها بأنها “لن تكون نزيهة ولا مستقلة” واصفاً إياها بأنها مجرد “مسرحية سياسية” تهدف إلى شرعنة الانقلاب وإضفاء هالة من القانونية على احتجاز يستمر منذ أكثر من عامين . ويؤكد المحامي أن “بازوم لا يزال رهينة بيد المجلس العسكري، رغم القرارات الواضحة الصادرة عن المحاكم الدولية وهيئات الأمم المتحدة التي تطالب بالإفراج عنه”. هذا الوصف يعكس واقعاً مؤكداً: القضاء في النيجر أصبح أداة في يد السلطة التنفيذية، والمحاكمة المرتقبة ستكون محاكمة سياسية بامتياز، هدفها ليس تحقيق العدالة، بل القصاص من رجل كان رمزاً للديمقراطية والتحالف مع الغرب.
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن توجيه تهمة الخيانة العظمى لبازوم يتجاوز كونه إجراءً قانونياً، ليكون أداة سياسية متعددة الأبعاد. فمن ناحية، تسعى السلطات العسكرية إلى إضفاء شرعية على وجودها من خلال تصوير الرئيس السابق كمجرم وخائن للأمة، وبالتالي تبرير الانقلاب كضرورة وطنية لإنقاذ البلاد من تبعية غربية مزعومة. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار احتجازه وحرمانه من حقوقه الأساسية هو بمثابة رسالة قمعية واضحة للمعارضة السياسية والمجتمع المدني، تؤكد أن عهد الديمقراطية والتعددية قد ولى، وأن النظام العسكري الجديد لن يتسامح مع أي رموز سياسية سابقة تحاول العودة إلى المشهد. هذا الاستخدام المزدوج للقضاء، كأداة لتبرير السلطة وقمع المعارضة، هو سمة مشتركة بين العديد من الأنظمة الاستبدادية في القارة .
لكن قضية بازوم لا يمكن فصلها عن التحولات الجيوسياسية الكبرى في منطقة الساحل. ففي السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة موجة غير مسبوقة من الانقلابات العسكرية، خاصة في مالي (2020 و2021)، وبوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023)، والغابون (2023) . هذه الانقلابات لم تكن مجرد تغيير للنخب الحاكمة، بل حملت معها تحولاً جذرياً في التحالفات الدولية. فالدول الثلاث (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) التي شكلت فيما بعد تحالف “دول الساحل”، قطعت بشكل تدريجي علاقاتها مع فرنسا والقوى الغربية التقليدية، واتجهت نحو روسيا، مستفيدة من وجود مجموعة فاغنر العسكرية الخاصة، ومعلنة رفضها للوجود العسكري الفرنسي الذي دام لعقود . هذا التحول الدراماتيكي وضع قضية بازوم في قلب الصراع الجيوسياسي المحتدم بين الغرب وروسيا في أفريقيا. فبازوم، كحليف غربي أوثق، أصبح رمزاً للمرحلة السابقة التي يسعى العسكريون إلى طي صفحتها نهائياً، ومحاكمته بتهمة الخيانة هي بمثابة محاكمة رمزية للوجود الغربي بأسره في المنطقة.
الردود الدولية على الانقلاب ومحاكمة بازوم كانت متباينة وتعكس المصالح المتضاربة للقوى الكبرى. ففرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أدانت الانقلاب بشدة، وطالبت مراراً بالإفراج الفوري عن بازوم وعائلته، وفرضت عقوبات على قادة المجلس العسكري . لكن هذه الضغوط اصطدمت بواقع جديد: تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة، وعدم استعداد القوى الغربية لتدخل عسكري مباشر يشبه ما حدث في مالي سابقاً. في المقابل، كانت روسيا أكثر براغماتية، حيث دعت إلى ضبط النفس ورفضت تسمية ما جرى في النيجر بأنه انقلاب في البداية، معتبرة أن التهديد باستخدام القوة من قبل إيكواس لن يسهم في حل الأزمة، وداعية إلى حوار وطني يضمن سيادة القانون، وهو موقف يتوافق مع استراتيجيتها الأوسع لتوسيع نفوذها في القارة على حساب الغرب .
أما على المستوى الإقليمي، فقد شكل انقلاب النيجر أزمة وجودية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). فالمجموعة وجدت نفسها منقسمة بين معسكرين: معسكر بقيادة نيجيريا وساحل العاج يدعو إلى تشديد العقوبات والتدخل العسكري لاستعادة النظام الدستوري، ومعسكر آخر يقوده العسكريون في مالي وبوركينا فاسو المتعاطفون مع نظرائهم في النيجر، والذين حذروا من أن أي تدخل عسكري سيعتبر إعلان حرب عليهم . هذا الانقسام عمق الشرخ داخل إيكواس، وأدى في النهاية إلى إعلان دول الساحل الثلاث انسحابها من المجموعة وتشكيل تحالفها الخاص، مما يمثل أكبر أزمة تواجه التكامل الإقليمي في غرب أفريقيا منذ عقود . العقوبات القاسية التي فرضتها إيكواس على النيجر، بما في ذلك قطع التيار الكهربائي عن نيجيريا الذي يمد النيجر بـ 70% من حاجتها للطاقة، زادت من معاناة السكان، وألقت بظلالها على الوضع الإنساني المتدهور أصلاً، حيث يعاني حوالي 3.3 مليون شخص من الجوع الشديد، وأغلقت الحدود وعُلقت شاحنات المساعدات الإنسانية .
في هذا السياق الإقليمي والدولي المعقد، ظهرت في سبتمبر 2025 مجموعة معارضة جديدة في النيجر أطلقت على نفسها اسم “مجموعة الـ25″، تضم ناشطين من المجتمع المدني وإعلاميين، تطالب بـ”الإفراج الفوري” عن بازوم، و”العودة إلى النظام الدستوري”، ووضع “استراتيجية وطنية شاملة وفعالة” لمكافحة الإرهاب . المجموعة اتهمت المجلس العسكري بقيادة الجنرال تشياني بإيصال البلاد إلى “طريق سياسي مسدود”، وانتقدت إعلان تنصيب تشياني رئيساً للجمهورية لمدة لا تقل عن 5 سنوات في مارس 2025، إضافة إلى حل الأحزاب السياسية. كما حذرت المجموعة من تفاقم التهديدات الأمنية، مشيرة إلى أن “الهجمات الإرهابية تضاعفت، والاعتداءات على المواطنين تكاثرت، والانتهاكات السلطوية اتسعت، حتى بات انعدام الأمن شبه خارج عن السيطرة” . هذه الأصوات المعارضة، رغم قمعها، تعكس استمرار التيار الديمقراطي في المجتمع النيجري، ورفضه للوصاية العسكرية.
إذا نظرنا إلى قضية بازوم في سياقها التاريخي الأوسع، نجد أنها تندرج ضمن نمط متكرر في السياسة الإفريقية بعد الاستقلال. فمحاكمة الرؤساء المخلوعين بتهم الخيانة أو الفساد أصبحت طقساً سياسياً معتاداً بعد الانقلابات العسكرية، خاصة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لكن ما يميز قضية بازوم هو السياق الدولي الذي تجري فيه، والتحولات العميقة في موازين القوى العالمية. ففي الماضي، كانت فرنسا قادرة على التدخل عسكرياً وسياسياً لاستعادة حلفائها إلى السلطة، كما حدث في العديد من مستعمراتها السابقة. لكن اليوم، مع تراجع النفوذ الفرنسي وتعدد اللاعبين الدوليين (روسيا، الصين، تركيا، دول الخليج)، أصبحت هامش المناورة للقوى الغربية أضيق، وأصبح بإمكان الأنظمة الانقلابية الصمود في وجه الضغوط الدولية لفترة أطول .
إن استمرار احتجاز محمد بازوم لأكثر من عامين ونصف، رغم كل الضغوط الدولية والإقليمية وقرارات المحاكم، يسلط الضوء على أزمة عميقة في مفهوم الشرعية السياسية في أفريقيا. فالرجل الذي وصل إلى السلطة عبر انتخابات نزيهة، واعترف المجتمع الدولي بشرعيته، لا يزال رهينة لدى مجموعة عسكرية استولت على السلطة بالقوة. هذا الواقع يطرح أسئلة وجودية حول مستقبل الديمقراطية في القارة: هل أصبحت صناديق الاقتراع عديمة الجدوى في وجه قوة السلاح؟ وهل ستتحول أفريقيا إلى ساحة لصراع المحاور الدولية على حساب تطلعات شعوبها في الحرية والكرامة والتنمية؟
في الختام، تظل قضية محمد بازوم أكثر من مجرد قضية فردية أو نزاع قانوني حول تهمة الخيانة العظمى؛ إنها نافذة مفتوحة على واقع التحولات السياسية العنيفة في منطقة الساحل الإفريقي، ومرآة تعكس تناقضات النظام الدولي وتعقيدات الصراع على النفوذ في القارة. ففي الوقت الذي تصر فيه السلطات العسكرية في نيامي على المضي قدماً في محاكمة يراها العالم بأسره مسيسة وتفتقر للحد الأدنى من معايير العدالة، يظل بازوم رمزاً لديمقراطية ناشئة سقطت في مهب الريح، وسجيناً في صراع لا يد له فيه سوى أنه كان حليفاً للغرب في منطقة تبحث عن هوية جديدة وشركاء جدد. وبينما لم يحدد موعد للمحاكمة بعد، يبقى السؤال الأهم معلقاً في الأفق: هل ستكون هذه محاكمة عادلة وموضوعية، أم مجرد مسرحية سياسية هدفها النهائي هو القصاص من رجل الأحلام الديمقراطية في النيجر وتقديم نموذج رادع لكل من يفكر في تحدي منطق القوة بمنطق الشرعية؟ مهما كانت الإجابة، فإن قضية بازوم ستظل علامة فارقة في تاريخ النيجر ومنطقة الساحل، وشاهداً على مرحلة مفصلية من التحولات الكبرى في العلاقات بين الدولة والمجتمع، وبين أفريقيا والعالم.
تاريخ19فبراير2026م



