مقالات الرأي

العدالة الانتقائية في السودان: بين محاكمة حميدتي وإفلات البشير


بقلم: أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد ( صمت القبور)


في 12 يوليو 2026م، أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في بورتسودان حكماً غيابياً بالإعدام شنقاً بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وشقيقيه عبد الرحيم والقوني، و13 قيادياً آخرين من قوات الدعم السريع، بعد إدانتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية على خلفية أحداث مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور عام 2023م . هذا الحكم، الذي يحمّل حميدتي مسؤولية مذابح راح ضحيتها نحو 15 ألف شخص وفق منطوق الحكم، يطرح إشكاليات قانونية وسياسية عميقة حول طبيعة العدالة المطبقة في السودان، خاصة في ظل الغياب التام لأي محاكمة مماثلة لعمر البشير، صانع حميدتي، رغم إدانات المحكمة الجنائية الدولية له بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور تستند إلى وقائع بدأت قبل عقدين من الزمن .
إن المعالجة المتباينة بين حميدتي والبشير تمثل جوهر أزمة العدالة في السودان، فكيف يمكن لقضاء محلي أن يصدر حكماً بالإعدام بحق قائد قوات الدعم السريع بينما يظل البشير، الذي صنع بقوة السلاح تلك الميليشيا وسلّحها ووظفها لقمع المدنيين في دارفور، طليقاً في الخرطوم تحت حماية الجيش السوداني؟ هذا التناقض يكشف عن طبيعة المحاكمة الانتقائية التي لا تستند إلى معايير قانونية موضوعية، بل تعكس توازنات القوة السياسية والعسكرية في لحظة تاريخية معينة، حيث يُستخدم القضاء كأداة لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من كونه مؤسسة مستقلة تطبق القانون على الجميع دون تمييز. لقد صدرت مذكرات توقيف بحق عمر البشير من المحكمة الجنائية الدولية عامي 2009م و2010م بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولا تزال هذه المذكرات سارية المفعول، ويقيم البشير حالياً في مناطق سيطرة الجيش السوداني، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام السلطات في بورتسودان بواجبها القانوني في تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية .
إن إخفاء البشير عن العدالة الدولية وعدم تسليمه للجنائية الدولية يعد خرقاً صريحاً للالتزامات الدولية التي تعهد بها السودان، ويُظهر أن السلطة القضائية في بورتسودان تخضع لإملاءات سياسية تمنع ملاحقة حلفاء النظام السابق بينما تنشغل بمحاكمة خصومه الحاليين. وفي المقابل، اتخذت الولايات المتحدة موقفاً قانونياً واضحاً من جرائم حميدتي، إذ أعلنت أن أعضاء قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبوا إبادة جماعية في السودان، وفرضت عقوبات على حميدتي نفسه بتهمة التورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في دارفور . هذا التوصيف القانوني الدولي لجريمة الإبادة الجماعية يضع حميدتي في قائمة مجرمي الحرب الذين تستوجب أفعالهم المحاسبة الدولية، إلا أن هذا لا يبرر إغفال جرائم البشير التي تعدّ السابقة الزمنية والسببية لظهور حميدتي كفاعل رئيسي في الصراع الدارفوري، فالبشير هو من أنشأ الجنجويد وحولها إلى ميليشيا نظامية ارتكبت فظائع في دارفور قبل أن يتولى حميدتي قيادتها، مما يجعله الشريك الأساسي في تلك الجرائم وليس مجرد متفرج عليها.
إن محاكمة حميدتي في بورتسودان تثير إشكاليات قانونية متعددة، ليس أقلها مسألة الاختصاص القضائي في ظل انقسام الدولة السودانية وتعدد مراكز السلطة، فالمحكمة التي أصدرت الحكم هي جهة قضائية تابعة لسلطة أمر واقع، هي الحكومة التي يقودها الجيش، والتي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة لها، بينما المحكوم عليهم ينتمون إلى طرف آخر في النزاع المسلح الدائر، وهذا يطرح سؤالاً حول شرعية الإجراءات القضائية ومدى تمثيلها للعدالة الوطنية بمعناها الشامل، حيث أن أي محاكمة تجري في ظل حرب أهلية وانقسام سياسي تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات التي تكفل نزاهتها وحياديتها . والأكثر إشكالاً هو أن القضاء السوداني نفسه لم يحرك ساكناً تجاه البشير ومساعديه، أمثال أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية وهم متواجدون في مناطق سيطرة الجيش تحت حماية مباشرة من البرهان نفسه، مما يؤكد أن العدالة في السودان أصبحت رهينة للصراع السياسي والعسكري، حيث يُحاكم خصوم السلطة الحاكمة بينما يُحمى حلفاؤها حتى لو كانوا مطلوبين دولياً بارتكاب أبشع الجرائم . هذا التجاهل الممنهج لملاحقة المتهمين الدوليين يفضح الطابع الانتقائي للعدالة المحلية ويجردها من أي مضمون أخلاقي أو قانوني، ويجعل منها أداة سياسية بامتياز تخدم أجندة طرف على حساب طرف آخر، بدلاً من أن تكون مؤسسة مستقلة تطبق القانون على الجميع دون محاباة أو استثناء.
من منظور قانوني بحت، يمكن توجيه عدة انتقادات جوهرية لمحاكمة حميدتي في بورتسودان.
● فأولاً: إن إصدار حكم غيابي بالإعدام في قضية بهذا الحجم من التعقيد يتنافى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، التي تؤكد على حق المتهم في حضور محاكمته والدفاع عن نفسه، وقد اعتبرت المواثيق الدولية مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن الحق في محاكمة عادلة يشمل حق المتهم في أن يحاكم بحضوره وأن يدافع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محامي يختاره، وإصدار حكم بالإعدام غيابياً يعد انتهاكاً صارخاً لهذه الحقوق الأساسية . وحتى لو تعذر حضور حميدتي لأسباب أمنية، فإن الإجراءات المتخذة لا ترقى لمستوى المحاكمة التي تحترم مبادئ سيادة القانون، خاصة أن المحكمة لم تمنح الفرصة لهيئة الدفاع لتقديم الأدلة أو استجواب الشهود أو الطعن في صحة الأدلة المقدمة ضد المتهم، مما يجعل الحكم مشوباً بعيب جوهري يهدد أساسه القانوني.
● ثانياً: إن المنطق القضائي الذي يحاكم طرفاً واحداً في نزاع مسلح معقد، مع إغفال جرائم الطرف الآخر، يُعدّ انتهاكاً صارخاً لمبدأ المساواة أمام القانون، فالجيش السوداني نفسه يواجه اتهامات جدية بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك استخدام أسلحة كيميائية في عام 2024م وفق تقييم أمريكي، والاستهداف المنهجي للمدنيين في دارفور . كما أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن كلا الطرفين في النزاع ارتكب جرائم، وقد وصفت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق الانتهاكات بأنها واسعة النطاق ارتكبها كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خلال النزاع .
● ثالثاً: إن محاكمة حميدتي تمثل استغلالاً سياسياً للقضاء في الصراع الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع، فإصدار حكم بالإعدام بحق قائد الدعم السريع في هذا التوقيت بالتحديد، بينما تتواصل المفاوضات السياسية والعسكرية، يهدف إلى تعزيز موقف الجيش في المفاوضات وإضعاف الطرف الآخر معنوياً وسياسياً، وليس تحقيق العدالة الحقيقية للضحايا، وهذا الاستغلال السياسي للقضاء يعد جريمة في حد ذاته لأنه يهدم مبدأ الفصل بين السلطات ويجعل القضاء تابعاً للسلطة التنفيذية في صراعها مع خصومها السياسيين، خاصة وأن الحكم جاء بعد تحقيقات باشرتها لجنة شكلها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أغسطس 2024م، برئاسة النائب العام، قبل أن تحيل القضية إلى القضاء . وتكشف وقائع الحكم عن تفاصيل دامية، إذ استندت المحكمة إلى شهادات 15 من الناجين وسلطان المساليت، وخلصت إلى أن عمليات واسعة النطاق ومنهجية وقعت في الجنينة ضد قبيلة المساليت، شملت القتل الجماعي والاغتصاب وتدمير الممتلكات وتهجير السكان، وقد قدرت المحكمة عدد القتلى بـ 15 ألفاً وعدد النازحين بـ 750 ألف لاجئ، وكيفت المحكمة الجرائم بموجب المواد 186، 187، 188، 189، 190، 191 من القانون الجنائي السوداني، التي تجرّم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب .
إن الموقف من المحكمة الجنائية الدولية يظل محوراً أساسياً في النقاش حول العدالة في السودان، فالجنائية الدولية، رغم ما وجه إليها من انتقادات بشأن تركيزها على أفريقيا وتأثرها بتوازنات القوى الدولية، تظل الإطار القانوني الوحيد القادر على تقديم محاسبة شاملة غير منتقاة، لأنها تخضع لمعايير قانونية ثابتة وإجراءات تحقيق مستقلة لا تتأثر بتقلبات السياسة الداخلية السودانية. وقد أعلنت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تحقيق “اختراق” في التحقيقات المتعلقة بالجرائم المرتكبة خلال الحرب في دارفور، مؤكدة حصولها على أدلة جديدة وقوية تربط الانتهاكات التي شهدها الإقليم بالمستويات القيادية، وامتنعت عن تحديد الجهة التي تنتمي إليها تلك القيادات . وقد أثبتت المحكمة مصداقيتها بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن (علي كوشيب)، قائد ميليشيا الجنجويد، في 27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وهذه الإدانة تمثل سابقة قضائية مهمة يمكن البناء عليها لمحاسبة كبار المسؤولين، بمن فيهم البشير وحميدتي على السواء، لأنها أثبتت أن جرائم دارفور ليست مجرد اتهامات سياسية بل حقائق قانونية يمكن إثباتها في محاكم دولية مستقلة . ومع ذلك، تواجه المحكمة تحديات كبيرة، أبرزها عدم تسليم السودان للمتهمين المطلوبين، بما في ذلك البشير، رغم تعاون الحكومة الحالية مع المحكمة في التحقيقات الخاصة بالهجمات الأخيرة .
إن إدراج كل من محمد حمدان دقلو وعمر البشير في قائمة مجرمي الحرب ليس مجرد موقف سياسي أو أخلاقي، بل هو حقيقة قانونية تستند إلى تقارير أممية متعددة وإدانات قضائية دولية ووقائع مثبتة على الأرض، فالبشير متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في دارفور بموجب مذكرتي توقيف صادرتين من المحكمة الجنائية الدولية، وحميدتي متهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بموجب تقارير الخبراء الدوليين وقرارات الإدارة الأمريكية التي صنفت أفعاله على أنها إبادة جماعية، وقد وجدت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن مقاتلي قوات الدعم السريع مسؤولون عن معظم الهجمات المنهجية ضد المدنيين في دارفور، والتي استهدفت أشخاصاً على أسس عرقية، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية . إن تصنيفهما معاً كمجرمي حرب يعكس الحقيقة التاريخية والقانونية للصراع السوداني، التي تثبت أن الجرائم التي ارتكبت في دارفور لم تكن أفعالاً فردية بل كانت منظومة إجرامية متكاملة قادها البشير كنظام سياسي ثم واصلها حميدتي كقائد عسكري، وأن الفصل بينهما في المحاكمة هو فصل مصطنع لا يعكس حقيقة التورط المشترك في تلك الجرائم. إن محاكمة حميدتي في بورتسودان، مهما كانت دوافعها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن محاسبة شاملة لكل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوداني، سواء كانوا من قادة الجيش أو قوات الدعم السريع أو نظام البشير السابق، لأن العدالة الحقيقية لا تنتقي ضحاياها ولا تنسى آخرين، بل هي عملية شاملة تهدف إلى كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وبناء سلام دائم يقوم على أسس من الحق والمساءلة، وهو ما يظل بعيد المنال طالما استمر استخدام القضاء كأداة في الصراعات السياسية بدلاً من كونه مؤسسة مستقلة تطبق القانون على الجميع دون تمييز أو استثناء.
بتاريخ 13يوليو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x