مقالات الرأي

العدل كشرطٍ لبقاء العالم: تأمل في ظل المواجهة الإيرانية- الأمريكية-الإسرائيلية

بقلم: د.كمال عبدالعزيز

لا أمل لهذا العالم دون عدل وإنصاف. هذه ليست عبارة شاعرية، بل خلاصة تاريخ طويل من الحروب التي أثبتت أن اختلال ميزان العدالة يقود دائمًا إلى انفجار القوة. وفي ظل التوترات والحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام صراع مصالح عابر، أم أمام اختبار أخلاقي للنظام الدولي كله؟

منذ العصور القديمة، ربط الفلاسفة بقاء الدولة بوجود العدالة. فقد رأى أفلاطون أن العدالة هي انسجام النفس والمجتمع، وأن الظلم يولّد الفوضى حتمًا. وإذا أسقطنا هذا التصور على العلاقات الدولية، فإن العالم اليوم يشبه مدينةً مضطربةً اختل فيها ميزان الاعتدال، فباتت القوة تتقدم على الحق، والخوف يتغلب على الحكمة.

في الفلسفة السياسية الحديثة، صاغ جون رولز مفهوم “العدالة كإنصاف”، معتبرًا أن استقرار أي نظام سياسي داخليًا كان أم دوليًا، مرهون بإحساس الأطراف بأنه نظام عادل. وفي سياق المواجهة الحالية، فإن غياب الثقة المتبادلة، والشعور بالتهديد الوجودي المستمر لبعض الدول، وتراكم الإهانات التاريخية، كلها عوامل تغذي الصراع. ليست الحرب مجرد صدام عسكري، بل نتيجة تصورات نفسية عميقة عن الظلم والأمن والهوية.

أما المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، كما عبّر عنها هانس مورغنثاو، فترى أن الصراع أمرٌ طبيعي في نظام دولي تحكمه القوة وتوازناتها. غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن توازن القوة دون توازن العدالة يظل هشًا، ويمكن أن يتحول إلى شرارة لحرب أوسع. من هنا يصبح الحديث عن “حرب عالمية ثالثة” ليس نبوءة حتمية، بل تحذيرًا أخلاقيًا من استمرار إدارة العالم بمنطق الردع وحده.

المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، وُجدت أصلًا لمنع الانزلاق إلى حروب شاملة. لكن فعاليتها تبقى مرهونة بإرادة القوى الكبرى في الاحتكام إلى القانون الدولي بدل تجاوزه. فالحرب الحالية تكشف مأزق النظام العالمي: هل هو نظام تحكمه القواعد، أم نظام تفرض فيه القواعد بالقوة؟

من منظور علم النفس السياسي، فإن أخطر ما في النزاعات الكبرى ليس السلاح بحد ذاته، بل “سردية الخوف”. عندما تشعر دولة بأنها محاصرة، أو مهددة في وجودها، تتصرف بعقلية دفاعية قد تتحول إلى هجوم استباقي. وهكذا تدخل الأطراف في حلقة تصعيد يصعب كسرها. في هذا السياق، يصبح السلام أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار؛ إنه إعادة بناء للثقة، وإعادة تعريف للأمن بوصفه أمنًا مشتركًا لا صفريًا. إن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل اليوم مهما كانت مبرراتها الاستراتيجية، تظل اختبارًا لقدرة العالم على إدارة اختلافاته دون أن يحترق بها. فإما أن ينتصر منطق العدالة المتبادلة، أو يظل العالم رهينة دوامة الردع والانتقام.

العدل ليس رفاهية أخلاقية، بل شرط بقاء. وإذا كان القرن العشرون قد شهد حربين عالميتين بسبب اختلال التوازنات، فإن القرن الحادي والعشرين يواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل تستطيع البشرية أن ترتقي أخلاقيًا بقدر ما ارتقت تكنولوجيًا وتؤسس لانظمة عادلة وتنصف الضحايا في العالم؟ ربما يكون الأمل الوحيد هو الإيمان بأن العدالة ليست نتيجة للسلام فقط، بل طريق إليه. وحين تدرك القوى الكبرى أن بقاءها مرتبط ببقاء النظام العالمي نفسه، قد يتحول هذا الاختبار الخطير إلى لحظة مراجعة تاريخية، لا إلى شرارة كارثة كونية.

28 مارس 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x