مقالات الرأي

العزيمة أم القوة؟.. وأسطورة الشباب السوداني في مواجهة الحرب


بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


كثيرًا ما يتم الخلط بين مفهومي “العزيمة” و”القوة” واستخدامهما كمرادفين لوصف قدرة الإنسان على المواجهة. لكن التأمل العميق في طبيعة التحديات الكبرى، وتحديدًا ما يواجهه الشباب في السودان اليوم من ويلات الحرب، يكشف عن فارق جوهري بينهما.
القوة غالبًا ما توصف بأنها القدرة على تحقيق شيء ما بالقهر أو السيطرة. إنها صلابة آنية، كالتي تبدو في العضلات أو في ردة الفعل العنيفة. يمكن للقوة أن تدفع صخرة كبيرة، لكنها قد تنكسر إذا كانت الصخرة أكبر منها. وفي علم النفس الإيجابي، تعرف الباحثة الرائدة أنجيلا دكوورث العزيمة بأنها “الشغف والمثابرة لتحقيق الأهداف طويلة المدى”. وهذا التعريف يحتوي على عنصرين أساسيين: الشغف، وهو ليس مجرد حماس وقتي، بل اهتمام عميق ودائم بالهدف، والمثابرة، وهي القدرة على الاستمرار في بذل الجهد والعمل بجدية، وعدم الاستسلام في وجه التحديات والإخفاقات والانتكاسات. العزيمة ليست مجرد قوة إرادة لحظية، بل هي بناء نفسي معقد يمزج بين العاطفة والسلوك.
أما القوة، فيمكن تصنيفها إلى أنواع: القوة المادية أو الصلبة، وهي الأكثر شيوعًا في سياق الحروب والصراعات، وتشمل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، وهي أداة الإكراه والقهر. وهناك القوة المعنوية أو الناعمة، وهي القدرة على التأثير والإقناع وجذب الآخرين دون استخدام القوة المادية، وتقوم على القيم والثقافة والمصداقية الأخلاقية. وكصفة فردية، تعني القوة الثبات على الموقف والصلابة في الرأي والقدرة على التحمل الجسدي والنفسي.
الفرق الجوهري هنا هو أن القوة المادية يمكن أن تزول بزوال أسبابها، كنفاد الذخيرة أو انهيار التحالف، أما العزيمة فمصدرها داخلي لا ينضب بسهولة. العزيمة هي الطاقة الداخلية التي لا تنضب، إنها الروح التي تمكن الجسد المنهك من مواصلة السير. العزيمة ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على النهوض في كل مرة نسقط فيها. إنها الصبر الجميل، والإصرار الهادئ، والقدرة على تحويل الرمال المتحركة إلى أرض صلبة تحت الأقدام. إذا كانت القوة تتعامل مع الواقع المادي، فإن العزيمة تتعامل مع هشاشة النفس البشرية وترفعها. القوة قد تخبو مع الوقت، لكن العزيمة تتغذى على الألم وتزداد صلابة.
في خضم الحرب الدائرة في السودان، لم تكن القوة الغاشمة هي سمة الشباب السوداني، بل كانت عزيمتهم هي الفارق. لقد تحول هؤلاء الشباب من نموذج للقوة الجسدية والحماس إلى أيقونة للعزيمة الصلبة التي تدهش العالم. لم تكن الحرب السودانية مجرد صراع حدودي أو أزمة عابرة، لقد كانت، ولا تزال، انهيارًا شاملًا لكل مقومات الدولة ومؤسساتها. فبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على الحرب، وصف مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السودان بأنه تحول إلى “أرض يأس”. الأرقام صادمة: نحو 9 ملايين شخص نازح داخليًا، مما يجعل السودان أكبر أزمة نزوح في العالم، وفر أكثر من 3 ملايين شخص إلى دول الجوار، ويحتاج حوالي ثلثي السكان، أي أكثر من 25 مليون شخص، إلى مساعدات إنسانية عاجلة. كما وصل انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مستويات تاريخية مع تسجيل مؤشرات مجاعة في عدة مناطق، خاصة في دارفور. ولم تعد الحرب تقتصر على الاشتباكات المباشرة، بل تطورت تقنيًا باستخدام الطائرات المسيرة لاستهداف البنى التحتية والمستشفيات والأسواق، مما وسع دائرة الأذى لتشمل مناطق كانت آمنة سابقًا.
“تضاعيف” الحرب لا تعني فقط القصف المباشر، إنها الشبكة المعقدة من التحديات التي يواجهها المواطن العادي يوميًا: الخدمات الصحية المنهارة وخروج المستشفيات عن الخدمة، النقص الحاد في الأدوية والكوادر الطبية، تفشي الأوبئة مع انهيار الخدمات وانتشار النزوح في مراكز إيواء مكتظة، حيث تفشت أمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك. وثق تقرير أممي أكثر من 500 ضحية للعنف الجنسي في عام 2025، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي، في مشهد تُستخدم فيه أجساد النساء والفتيات كسلاح لترويع المجتمعات. كما تعمدت أطراف النزاع استهداف محطات الكهرباء والسدود وخزانات الوقود، مما فاقم معاناة المدنيين وشل الحياة. ومع طول أمد الحرب، برز خطر “عسكرة المجتمعات” وتجنيد الشباب وحتى الأطفال في القتال، مما يهدد بنسف النسيج الاجتماعي للجيل القادم.
في هذا المشهد من الانهيار الشامل، أين كان يفترض أن يكون الشباب؟ الإجابة الطبيعية والقاتمة كانت: إما ضحايا، أو مقاتلين في أطراف النزاع، أو لاجئين يبحثون عن مستقبل أفضل خارج البلاد. لكن جزءًا كبيرًا منهم اختار طريقًا رابعًا غير متوقع: طريق العزيمة المنظمة. لم تولد عزيمة الشباب السوداني المنظمة من فراغ، إنها نتاج تراكم نضالي وخبرات مجتمعية سابقة. فقبل الحرب، كانت “لجان المقاومة” هي التنظيمات الشعبية التي قادت الحراك الثوري الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير في 2019، واستمرت في تنظيم الاحتجاجات والمظاهرات بعد انقلاب 2021. عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، تحولت هذه اللجان بسرعة مذهلة ومرونة عالية من تنظيمات سياسية احتجاجية إلى “غرف طوارئ” إنسانية وإغاثية. هذا التحول في حد ذاته يعكس درجة عالية من العزيمة الجماعية: القدرة على إعادة تعريف الهدف من إسقاط النظام إلى إنقاذ الأرواح، مع الحفاظ على نفس الشغف ونفس المثابرة. تشير التقارير إلى أن عدد هذه الغرف وصل إلى نحو 700 غرفة طوارئ موزعة على مختلف أنحاء البلاد.
تجسدت عزيمة الشباب السوداني في أفعال ملموسة على الأرض. في الوقت الذي انسحبت فيه المنظمات الدولية الكبرى أو فشلت في الوصول إلى المنكوبين، كانت غرف الطوارئ الشبابية هي خط الدفاع الأول. في ولاية شمال دارفور، على سبيل المثال، قامت غرفة طوارئ “طويلة” بجهود بطولية: قامت بعمليات إجلاء مكثفة للنازحين والجرحى على الطريق الخطير بين الفاشر وطويلة، ونظمت سكنًا لعشرات الآلاف من النازحين، وأدارت 65 مطبخًا مجتمعيًا لتوفير وجبات الطعام يوميًا، وأطلقت حملات لرش المبيدات وتنظيف الأحياء، وتعاونت مع منظمات مثل “أطباء بلا حدود” لإنشاء مراكز عزل لمرضى الكوليرا. هذه الأفعال ليست مجرد عمل خيري، إنها تجسيد حي للعزيمة: مثابرة يومية في بيئة شديدة الخطورة، وإصرار على تقديم الخدمة رغم نقص الإمدادات والتهديد المستمر بالموت.
العزيمة لم تكن فقط لتوفير لقمة العيش، بل امتدت للحفاظ على الهوية والثقافة في وجه الحرب. تقارير من رمضان 2026 تظهر تمسك السودانيين، حتى في مراكز الإيواء، بعاداتهم الرمضانية. حرص نازح من غرب كردفان في أم درمان على توفير إفطار جماعي مع جيرانه، معتمدًا على تحويلات مالية من ابنه المهاجر. هذا فعل يومي بسيط، لكنه يحمل في طياته عزيمة على إعادة إنتاج الحياة الطبيعية وكسر عزلة النزوح. رغم الدمار، نشطت الجمعيات الخيرية بدعم من مغتربين لتقديم سلال غذائية، واستمرت عادة “قطع الطريق” لإجبار المسافرين على الإفطار، وعادة تبادل الأطباق بين الجيران. هذه العادات تمثل شغفًا مجتمعيًا بالحياة الجماعية، وهو الوقود الذي يغذي العزيمة العامة. في زمن توقف المدارس، أطلق شباب مبادرات تعليمية في مراكز الإيواء وفي المساجد، لإنقاذ جيل كامل من الأمية والضياع، في تجسيد للعزيمة الموجهة للمستقبل البعيد.
استخدم الشباب السوداني أداة أخرى تعكس قوة عزيمتهم في العصر الحديث: وسائل التواصل الاجتماعي. في ظل انهيار الإعلام الرسمي وتوقف الصحف، تحول شباب السودان إلى صحفيين مواطنين. قاموا بتوثيق الانتهاكات، وكشف جرائم الحرب، وتنسيق جهود الإغاثة، وإيصال صوت المعاناة إلى العالم. هذه العزيمة الرقمية شكلت ضغطًا على المجتمع الدولي وساهمت في استمرار قضيتهم حية في الوعي العالمي، وحتى في ترشيح غرف الطوارئ لجائزة نوبل للسلام.
لم يمر هذا الصمود الاستثنائي دون أن يلحظه العالم. كان أبرز اعتراف دولي هو ترشيح معهد أوسلو لأبحاث السلام لـ”غرف الطوارئ” السودانية لجائزة نوبل للسلام عام 2024. حتى وإن لم تفز، فإن مجرد الترشيح يعكس اعترافًا بأن هذا النموذج الشعبي في إدارة الأزمات يمثل حالة فريدة تستحق الدراسة والتقدير. كما منح الاتحاد الأوروبي جائزة حقوق الإنسان لعام 2025 لشبكة غرف الاستجابة للطوارئ. والأهم، إشادة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي وصف قادة هذه المبادرات بأنهم يقدمون “مثالًا ملهمًا للعمل الإنساني الشعبي”، ويجسدون “أفضل ما في السودان في وقت يواجه أسوأ أزماته”. أيضًا، في خضم حديثه القاتم عن الانتهاكات، استدرك فولكر تورك ليشيد “بقوة وروح الشعب السوداني، وخاصة النساء والشباب”، مؤكدًا أنه شاهد خلال زيارته كيف أن هذه الروح ما زالت متقدة، وأن الشعب السوداني سينتصر في النهاية لا محالة. هذه الشهادات الدولية تؤكد أن ما يحدث في السودان ليس مجرد قصص بطولية فردية، بل ظاهرة جماعية لافتة.
لماذا استطاع الشباب السوداني تحديدًا أن يقدّم هذا النموذج من العزيمة؟ التحليل يقودنا إلى عدة مكونات أساسية. أولها الخبرة التنظيمية السابقة، فالشباب لم يبدأ من الصفر. عقود من العمل السياسي والتنظيم الشعبي في لجان المقاومة واتحادات الطلاب وروابط الأحياء، وفرت لهم خبرة في العمل الجماعي، وبناء الثقة، وتوزيع المهام. كانت هذه المثابرة التنظيمية هي الأساس الذي بُني عليه صرح غرف الطوارئ. ثانيها المرونة في إعادة تعريف الهدف أو الشغف المتجدد، والعنصر الأهم هو قدرة الشباب على تحويل شغفهم. الشغف بالتغيير والحرية لم يمت، بل تحول من السعي لإسقاط النظام إلى السعي لإنقاذ المواطن. في سياق علم النفس، هذا هو جوهر العزيمة: البقاء شغوفًا بالهدف الأسمى حتى لو تغيرت التكتيكات والوسائل. ثالثها الثقة المجتمعية والرأسمال الاجتماعي، ففي غياب الدولة، كانت الثقة هي العملة الوحيدة المقبولة. غرف الطوارئ لم تفرض نفسها على المجتمع، بل نشأت منه. الشباب الذين كانوا معروفين في أحيائهم بنزاهتهم ونضالهم السابق، حصلوا على تفويض شعبي ضمني لإدارة الأزمة. هذا الرأسمال الاجتماعي هو نتاج تراكمي للعزيمة الفردية التي تحولت إلى ثقة جمعية. رابعها تسخير التكنولوجيا لخدمة العزيمة، حيث استخدم الشباب تطبيقات التواصل لتنظيم العمل، وجمع التبرعات، وتنسيق عمليات الإنقاذ. لم تكن التكنولوجيا مجرد أداة ترفيه، بل تحولت إلى سلاح استراتيجي للصمود، مما يعكس عزيمة على مواكبة العصر وتوظيف إمكانياته.
لكن هذا النموذج الملهم ليس بمنأى عن التحديات الجسام، بل ربما يكون مهددًا بالانهيار إذا استمرت الحرب ونقص الدعم. أبرز هذه التحديات يتمثل في الإرهاق والاستنزاف النفسي، فالعمل التطوعي في بيئة حرب قاسية، ومشاهدة الموت والدمار يوميًا، يؤدي إلى إرهاق نفسي هائل. الشباب المتطوعون معرضون لخطر الاحتراق النفسي وفقدان الأمل، وهو عدو العزيمة الأول. ثم نقص التمويل والإمدادات، حيث تعتمد هذه الغرف بشكل كبير على تبرعات المغتربين والتجار المحليين. مع استمرار الحرب وتأثر الاقتصاد الإقليمي بأزمات أخرى، يقل الدعم المادي بشكل حاد. كما أن المنظمات الدولية، رغم إشادتها، لم تقدم الدعم المالي الكافي لهذه الغرف مقارنة بحجم الكارثة. ويأتي أيضًا الاستهداف المباشر، ففي بعض المناطق، تتعرض غرف الطوارئ والناشطين الشباب للاستهداف والاعتقال والتصفية من قبل أطراف النزاع، الذين يرون في أي تنظيم مجتمعي مستقل خطرًا على سيطرتهم. وأخيرًا تأثير التحولات الإقليمية والدولية، حيث أدى تحول الاهتمام الدولي نحو حروب أخرى إلى تراجع التمويل والزخم الإعلامي حول السودان، مما زاد من عزلة الشباب وعمق تحدياتهم.
الدرس الأهم الذي تقدمه الحالة السودانية هو إعادة تعريف العلاقة بين العزيمة الفردية والعزيمة الجمعية. ففي الوقت الذي يؤكد فيه علم النفس أن العزيمة صفة فردية، نراها في السودان تتجلى كظاهرة اجتماعية. إنها عزيمة الأمة التي تتجسد في أبنائها. هذا يشير إلى أن المجتمعات التي تمتلك تاريخًا من النضال وروابط اجتماعية قوية، يمكنها استخراج مخزون هائل من العزيمة الجماعية في لحظات الخطر. هذه العزيمة هي التي سترسم ملامح السودان ما بعد الحرب. الشباب الذي يدير مطابخ الإغاثة اليوم، هو نفسه من سيكون نواة إعادة الإعمار غدًا. الخبرات التي يكتسبونها في إدارة الأزمات، وبناء الثقة، والعمل الجماعي، هي رأسمال وطني هائل. ولكن، هذا الرهان على الشباب مشروط ببقائهم أحياء وبقاء عزيمتهم متقدة. وهو ما يتطلب دعمًا دوليًا حقيقيًا، ووقفًا للحرب، وانتقالًا سياسيًا يشركهم في صنع القرار، اعترافًا بأنهم لم يكونوا مجرد ضحايا، بل كانوا الحراس الحقيقيين للحياة في أحلك الظروف.
العودة إلى السؤال الأول: ما الفرق بين العزيمة والقوة؟ في تجربة الشباب السوداني نرى الإجابة واضحة جلية. القوة السودانية العسكرية والاقتصادية انهارت أو تشظت أو استُخدمت في غير محلها، فكانت النتيجة دمارًا وخرابًا. أما عزيمة الشباب السوداني، فقد كانت بمثابة جهاز المناعة للمجتمع، تداوي جراحه، وتوفر له أسباب البقاء، وتصنع له مستقبلًا ولو كان بعيد المنال. العزيمة السودانية أثبتت أنها ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على النهوض في كل مرة. أثبتت أنها قوة هائلة تستمد وقودها من الشغف بالحياة والعدالة، وتتجلى في مطابخ الإغاثة وغرف الطوارئ ومنصات التواصل. إنها أسطورة حية تتكشف يومًا بعد يوم، لتؤكد للعالم أن الأمم لا تُقهر طالما بقي في شبابها عزيمة لا تلين، وروح تأبى الانكسار، وإيمان راسخ بأن الفجر لا بد آتٍ، مهما طال ليل الحرب وتضاعفت مصاعبها.
بتاريخ 13مارس2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x