مقالات الرأي

العلاقات السليمة والصحية مع الذات

بقلم: د. كمال عبد العزيز

تُعد العلاقة السليمة مع الذات واحدة من أهم معايير النضج النفسي لدى الإنسان، وهي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل شخصيته وتحديد مدى وعيه بذاته. بل يمكن القول إن هذا النوع من العلاقة يمثل الأساس لكل أشكال التفاعل الأخرى، سواء مع المجتمع أو مع الوجود ذاته.

وعندما نتأمل مجتمعاتنا في شرق إفريقيا، وعلى وجه الخصوص في السودان، نجد أن سؤال الهوية ما يزال سؤالًا مفتوحًا ومؤجلاً، رغم أنه ينبغي أن يكون من أولوياتنا إن أردنا المضي قدمًا. إن حسم هذا السؤال ضروري لفهم موقعنا من العالم: من نحن؟ وأين نقف بالمقارنة مع المجتمعات الأخرى؟

للأسف، لا نزال عالقين في صراع داخلي مع ذواتنا، ولم نصل بعد إلى مرحلة التفكير في “الآخر” من منطلق علاقة متوازنة. فمعرفة الإنسان بهويته – من هو؟ أو من أنا؟ – تمثل نقطة انطلاق أساسية، ومن دونها يصعب الوصول إلى نضج نفسي أو إلى وعي حقيقي بالذات.

الجواب السليم على هذا السؤال يمكّن الإنسان من تكوين شخصية متزنة وناضجة، بينما الفشل في الإجابة عنه ينعكس في شخصية قلقة ومضطربة، غير قادرة على بناء تصور متماسك عن الذات أو عن العلاقات مع الآخرين، سواء على مستوى النوع أو الجغرافيا أو التاريخ أو اللغة والثقافة.

ولعل السودان يمثل نموذجًا واضحًا لأزمة الهوية والعلاقة المهزوزة مع الذات، إذ يعيش كثير من السودانيين في صراع داخلي مزمن يتجلّى خارجيًا في شكل عنف وتدمير. وغالبًا ما يُخرِج هذا الصراع شراراته على “جدران الآخر”، بينما يغلي الآخر هو الآخر من الداخل. هي إذًا حربٌ مشتعلة في الداخل والخارج معًا، حرب “احتراق داخلي جماعي”.

لقد لعب الاستعمار المستمر والمتعدد الأوجه دورًا خطيرًا في حرمان الإنسان السوداني من فرصة طرح أسئلته الحقيقية والإجابة عنها من داخل ذاته، لا من خارجها. يقول البعض إننا أفرغنا من ذواتنا السودانية، لكنني أقول إننا لم نتشكّل أصلًا حتى نفرغ؛ لأننا منذ نعومة أظافرنا ظللنا نركض خلف هويات وثقافات الآخرين، مهملين كنوز هويتنا الفريدة، التي ما زلنا نجهلها ولم نسعَ لاكتشافها أو الاعتزاز بها.

والأخطر من ذلك أن أولويات بناء الذات لا تزال متأخرة مقارنة بأولويات بناء الأوطان. ولكن في الحقيقة، لا يمكن بناء وطن دون بناء أفراد واعين بعمق ذواتهم. لقد أصبح العالم اليوم غابة من الذئاب، ولا سبيل للبقاء فيه إلا بمجتمعات قوية متماسكة، تنبع قوتها من أفراد ناضجين وواعين بهوياتهم.

للأسف، نجد أنفسنا اليوم نعيش نتائج البناء على الرمال ومطاردة السراب، مما أنتج شخصية تعاني من الاستلاب الثقافي والديني. الاستعراب المفرط أدى إلى تضاد ثقافي مع الذات، والأسلمة الشكلية أحدثت خللًا في العلاقة الروحية بين الإنسان وخالقه، فغاب الصدق، وحلّت الزيف محلّ العفوية والاتصال الحقيقي بخالق الوجود.

الإنسان المهزوز لا يستطيع بناء علاقة حقيقية مع مجتمعه، ولا حتى مع خالقه. يصبح كمن يتصرف كـ”إنسان آلي”، مبرمج على مفاهيم لا تمثله، ولا تمتّ لذاته الأصلية بصلة.

وقد ترتب على كل ذلك نوع من اللا أدرية الذاتية والوطنية، وهي من أشد مراحل الانهيار التي يمر بها السودان. إذ لا يمكن أن تُبنى أمة قوية، في الوقت الذي لا يملك فيه الفرد القدرة على تعريف نفسه أو فهم موقعه.

لقد مهّدت المناهج التعليمية السطحية لهذا الانهيار، فكوّنت أجيالًا تجهل ذاتها، وتعيش كلاجئة من الهوية والوطن والمواطنة.

ومع ذلك، هناك بوادر أمل. فقد بدأت، في السنوات الأخيرة، وتحديدًا مع اندلاع الثورات وتقدم حركات الكفاح المسلح، محاولات جادة للعودة إلى الذات. وظهرت الأسئلة الوجودية بوضوح: “من نحن؟”، “من أنا؟”. وقد آن الأوان أن نجيب عن هذه الأسئلة بصدق ومن دون ضغط أو قوالب جاهزة.

الحرب الأخيرة في السودان كشفت كل أنواع الخلل البنيوي في الشخصية والمجتمع، وكل مظاهر عدم الاستقرار، وأثبتت أن عدم حل مشكلة الهوية لا يزال هو الجذر الأساسي للأزمات. فالخوف من الآخر، والتمييز الديني والثقافي، أصبحا هما المحرّك الأساسي للسلوك الجمعي، بينما غابت حرية التفكير الفردي الواعي.

لذلك، بات من الضروري – بل العاجل – أن نستعيد ذواتنا السودانية الحقيقية. فهذه هي الخطوة الأولى لإطفاء نيران الصراع الداخلي، وهي الأساس لبناء شعب واعٍ ومستقل فكريًا، قادر على تشكيل وعي جمعي صادق، وتحقيق حرية فردية قائمة على معرفة الذات لا على محاكاة الآخر.

عندها فقط، نستطيع أن نقول إننا بدأنا طريق النهضة الحقيقية.

24 يوليو 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x