مقالات الرأي

العنف السياسي والإجتماعي كإفراز مباشر لحرب 15 أبريل 2023م في السودان: مقاربة قانونية وإنسانية


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


أدخلت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م السودان في واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيداً في تاريخه الحديث، حيث لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف مسلحة متنازعة على السلطة، بل تحولت سريعاً إلى حالة شاملة من العنف السياسي والاجتماعي المنظم، انعكست آثارها بصورة عميقة على الإنسان السوداني، وعلى منظومة القانون، وعلى بنية الدولة والمجتمع. لقد أفرز هذا الصراع أنماطاً متعددة من الانتهاكات الجسيمة التي مست جوهر الحقوق الأساسية، وأعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والقوة والقانون، في سياق اتسم بانهيار المسؤولية، وغياب المساءلة، وتراجع القيم الإنسانية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم سلوك أطراف النزاعات المسلحة.
لقد مثّلت هذه الحرب، من منظور قانوني، فشلاً ذريعاً في احترام الحد الأدنى من الالتزامات المفروضة على أطراف النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان. فبدلاً من حماية المدنيين وتحييدهم عن دائرة القتال، جرى الزج بهم في قلب الصراع، وتحويل المدن المكتظة بالسكان إلى ساحات حرب مفتوحة، في انتهاك واضح لمبدأ التمييز ومبدأ التناسب، وهما من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني. إن هذا السلوك لا يمكن تبريره بأي ذريعة عسكرية أو سياسية، ويشكّل في جوهره إدانة قانونية وأخلاقية لأطراف الحرب التي اختارت العنف الأعمى وسيلة لإدارة الصراع.
ومن الناحية السياسية، جسّدت الحرب أقصى درجات العنف السياسي، حيث تم تدمير المجال العام، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتقويض أي أفق لحل سياسي سلمي. لقد استُخدم السلاح لإقصاء الآخر، وفرض الأمر الواقع بالقوة، وإلغاء حق الشعب في المشاركة في تقرير مصيره. كما تعرضت القوى المدنية، والإعلاميون، والنشطاء، لانتهاكات مباشرة وغير مباشرة، شملت التهديد والتخوين والاعتقال والقتل، ما يؤكد أن العنف لم يكن موجهاً فقط ضد الخصم العسكري، بل ضد المجتمع بأسره، وضد فكرة الدولة المدنية القائمة على سيادة القانون.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أفرزت الحرب واقعاً بالغ القسوة، اتسم بتفكك النسيج الاجتماعي، وتآكل منظومة القيم التي تربط بين مكونات المجتمع السوداني. فقد أدت الانتهاكات الواسعة، من قتل ونهب وتهجير قسري، إلى نشر الخوف وانعدام الثقة، ليس فقط بين المواطن والدولة، بل بين أفراد المجتمع أنفسهم. كما ساهمت خطابات التحريض والكراهية، التي غذّتها أطراف الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعميق الانقسامات القبلية والجهوية والإثنية، وتحويل الاختلافات الاجتماعية إلى أدوات تعبئة للعنف، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً لوحدة المجتمع السوداني.
وقد كان النزوح القسري من أخطر وأبشع إفرازات هذه الحرب، حيث أُجبر ملايين المدنيين على ترك منازلهم تحت القصف أو التهديد المباشر، في انتهاك صارخ للحق في السكن والأمان والكرامة الإنسانية. ويُعد التهجير القسري جريمة بموجب القانون الدولي، لا سيما عندما يتم بشكل واسع أو ممنهج، كما هو الحال في النزاع السوداني. ولم تقتصر آثار النزوح على فقدان المأوى، بل امتدت لتشمل فقدان مصادر الرزق، وانهيار الروابط الأسرية، وازدياد معاناة النساء والأطفال وكبار السن، الذين وجدوا أنفسهم في ظروف إنسانية قاسية، تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية والرعاية.
وتبرز معاناة الأطفال بوصفها واحدة من أكثر النتائج إدانة لهذه الحرب، حيث حُرم مئات الآلاف منهم من حقهم في التعليم، وتعرض كثيرون منهم لصدمات نفسية عميقة، فضلاً عن مخاطر الاستغلال والتجنيد القسري. إن ما يتعرض له الأطفال في سياق هذه الحرب يشكّل انتهاكاً فاضحاً لاتفاقية حقوق الطفل، ويحمّل أطراف النزاع مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم.
ومن زاوية إنسانية، فإن ما جرى في السودان منذ 15 أبريل 2023م يمثل إخفاقاً جماعياً في حماية الإنسان بوصفه القيمة العليا لأي نظام قانوني أو سياسي. لقد جُرّد المدنيون من إنسانيتهم، وتحولوا إلى أرقام في نشرات الأخبار، في ظل صمت أو عجز داخلي، وتباطؤ دولي في فرض آليات فعالة للمساءلة. غير أن هذا الواقع لا ينفي، بل يعزز، ضرورة الإدانة الصريحة لكل أشكال العنف والانتهاكات، ورفض أي محاولات لتطبيعها أو تبريرها تحت غطاء الضرورات العسكرية أو السياسية.
إن استمرار الإفلات من العقاب يشكل أحد أخطر التحديات التي أفرزتها الحرب، إذ يبعث برسالة مفادها أن استخدام العنف ضد المدنيين يمكن أن يمر دون مساءلة. وهذه الثقافة لا تهدد العدالة فحسب، بل تقوّض أي أمل في سلام مستدام، لأن السلام الذي لا يقوم على المحاسبة والإنصاف هو سلام هش، قابل للانهيار عند أول أزمة.
وفي هذا السياق، فإن إدانة العنف السياسي والاجتماعي ليست موقفاً أخلاقياً فقط، بل هي ضرورة قانونية وإنسانية، تفرضها حماية كرامة الإنسان، وصون مستقبل السودان. فلا يمكن إعادة بناء الدولة أو ترميم المجتمع دون الاعتراف بحجم الجرائم والانتهاكات، ودون مساءلة المسؤولين عنها، ودون إنصاف الضحايا وجبر ضررهم، مادياً ومعنوياً.
وفي الختام، تؤكد حرب 15 أبريل 2023م أن العنف، حين يُستخدم كأداة سياسية، يتحول إلى قوة تدميرية لا تستثني أحداً. لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً لصراع لا يخدم سوى منطق القوة، على حساب القانون والإنسان. وإن الخروج من هذه الكارثة يتطلب التزاماً واضحاً بوقف الحرب، وإدانة شاملة لكل أشكال العنف، وإعادة الاعتبار للقانون والعدالة والإنسان، باعتبارها الأساس الوحيد لبناء سلام حقيقي ودولة تحترم كرامة مواطنيها وحقوقهم.
بتاريخ 15ديسمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x