الفدرالية في السودان : ضرورة وطنية أم خيار سياسي؟ قراءة في تاريخ الدولة وأزمة المركز

بقلم : زيدان تور
منذ أن نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956 ، ظل السؤال المؤجل يطارد كل الحكومات : كيف يُحكم السودان ؟ ولم يكن السؤال يومًا : من يحكم السودان ؟ لأن أزمة البلاد ، في نظر كثير من المحللين ، لم تكن أزمة أشخاص بقدر ما كانت أزمة بنية دولة ورثت نموذجًا مركزيًا لم يستوعب تنوع السودان القومي والثقافي والديني والجغرافي .
لم يمضِ سوى عامين على الاستقلال حتى شهد السودان أول انقلاب عسكري في 17 نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود ، لتبدأ مرحلة طويلة من تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة . ثم جاءت ثورة أكتوبر 1964 لتعيد الحكم المدني ، لكن التجربة لم تعمر طويلًا ، إذ وقع انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر محمد نميري ، الذي حكم ستة عشر عامًا قبل أن تطيح به انتفاضة أبريل 1985.
وفي عام 1989 وقع انقلاب 30 يونيو بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير ، مدعومًا من الجبهة الإسلامية القومية ، ليدخل السودان واحدة من أطول فترات الحكم العسكري ، امتدت ثلاثة عقود ، وشهدت الحرب الأهلية، والعقوبات ، وانفصال جنوب السودان عام 2011 ، وأزمات اقتصادية وسياسية متراكمة .
ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018 مطالبةً بدولة الحرية والسلام والعدالة ، لكن الانتقال تعثر ، قبل أن يشهد السودان انقلاب 25 أكتوبر 2021 ، لتعود الأزمة السياسية من جديد ، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 ، والتي أدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث.
إن هذا التسلسل التاريخي يثير سؤالًا مشروعًا : هل كان فشل السودان نتيجة تعاقب الانقلابات فقط ، أم أن الانقلابات نفسها كانت نتيجة لفشل نموذج الدولة المركزية ؟
يرى كثير من الباحثين أن المركزية المفرطة أسهمت في إنتاج الشعور بالتهميش في أقاليم عديدة ، وأدت إلى نزاعات مسلحة متكررة .
ومن هذا المنطلق ، برزت الفدرالية لدى العديد من القوى السياسية والحركات المسلحة باعتبارها إطارًا يمكن أن يعيد توزيع السلطة والموارد ويمنح الأقاليم دورًا أكبر في إدارة شؤونها.
وبالنسبة لي ، لم يكن تبني مشروع حركة جيش تحرير السودان مجرد انتماء تنظيمي ، بل جاء بعد قراءة طويلة لتاريخ الدولة السودانية ، ولتجارب الحكم والانقلابات ، وما خلفته من حروب وانقسامات . لقد وجدت في رؤيتها للدولة العلمانية ، الفدرالية ، الليبرالية، الديمقراطية ، الحرة والموحدة مشروعًا سياسيًا يستحق النقاش، لأنه ينطلق من فكرة بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية ، وسيادة القانون ، والفصل بين الدين والدولة، مع الحفاظ على وحدة السودان على أساس العدالة لا الإكراه .
ومع ذلك ، فإن نجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على الشعارات وحدها ، بل على قدرته على ترجمة مبادئه إلى مؤسسات، واحترام التعددية ، وضمان الحقوق والحريات لجميع المواطنين ، بغض النظر عن انتماءاتهم .
لقد أثبت التاريخ أن السودان لا يحتاج إلى انقلاب جديد ، ولا إلى مركز أكثر قوة ، بل إلى عقد وطني جديد يعترف بالتنوع ، ويعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة ، ويؤسس لدولة يشعر فيها كل سوداني بأن الوطن ملك له ، لا أنه تابع لمركز يقرر عنه كل شيء .
إن الفدرالية ، في هذا السياق، ليست مجرد تقسيم إداري ، بل قد تكون إحدى أدوات إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها . لكنها لن تنجح إلا إذا كانت جزءًا من مشروع وطني أوسع يقوم على الديمقراطية ، وسيادة القانون ، واحترام حقوق الإنسان .
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام السودانيين جميعًا : هل نستمر في إعادة إنتاج الدولة التي أفرزت الأزمات والانقلابات ، أم نمتلك الشجاعة لتأسيس دولة جديدة ، قوامها الحرية والعدالة والمواطنة ، تتسع للجميع دون إقصاء ؟



