القائد عبدُالواحدِ مُحمد احمد النور: عندما يكون الحيادُ حِمَايَةٌ لِلسَّلامِ والإنسانية

بقلم: مهدي داود الخليفة
في لحظةٍ يتنازعُ فيها المتناحرونَ على أنقاضِ وطنٍ جريح، ويتحوّلُ فيها السلاحُ إلى لغةِ السياسة الوحيدة، يبرزُ موقفُ القائد عبد الواحد محمد احمد النور بوصفه صوتَ العقل والضمير في زمنِ الفوضى.فقراره باتخاذِ الحيادِ إزاءَ الحربِ الدائرة في دارفور لم يكن تردُّداً ولا انكفاءً، بل كان خياراً أخلاقياً وسياسياً متقدّماً، أعادَ تعريفَ مفهومِ “المسؤولية الثورية” في سياقٍ سودانيٍّ غارقٍ بالعنف والانقسام.
منذ اندلاعِ الحربِ في أبريل 2023، كانت مناطقُ سيطرةِ حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد أكثرَ المناطقِ استقراراً نسبيّاً في دارفور. فبينما تحوّلت مدنٌ كالفاشر والجنينة وزالنجي إلى ساحاتِ اقتتالٍ دمويٍّ بين الجيش والدعم السريع، ظلت مناطق جبل مرة تشكّل ملاذاً آمناً للنازحين.
التقاريرُ المحلية والإنسانية تشيرُ إلى أن قوات الحركة لم تنخرط في الصراع، بل ركّزت على حماية المدنيين وتقديم العون الإنساني في حدود الإمكانات. أُقيمت مراكزُ إيواءٍ وعيادات ميدانية ومطابخُ و تكايا إغاثة، فباتت مناطقُ الحركة نموذجاً مصغّراً لما يمكن أن يكون عليه “السلام من الداخل”، دون قراراتٍ دولية ولا جيوشٍ أجنبية.
إنّ هذا الموقف لم يُنقذ الأرواح فحسب، بل حافظ على النسيج الاجتماعي في أكثر الأقاليم هشاشةً، إذ حال دون انفجارِ موجاتِ الانتقام القبلي التي غذّاها تحالفُ بعضِ قادة الحركات — مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم — مع الجيش، ما جعلَ المدنيينَ في مرمى نيرانِ قواتِ الدعم السريع وردودِ الأفعالِ الانتقامية.
القائد عبد الواحد النور، بخلفيته القانونية والسياسية، قرأَ الصراعَ بوعيٍ استراتيجيٍّ لا بالعاطفة، و أدرك أنّ انخراطهُ في حربٍ بين قوتين عسكريتين تُتهمان بارتكابِ انتهاكاتٍ واسعة، لن يخدم قضيّةَ العدالة ولا أهدافَ الثورة التي طالما رفع لواءها. فالحركة التي نشأت لتحريرِ الإنسان السوداني من التهميش لن تتحوّل إلى أداةٍ بيدِ من يسعى لتقاسمِ السلطةِ تحت تهديد البنادق.
لقد رفض عبد الواحد أن يكون حصان طروادة في لعبةٍ إقليميةٍ معقّدة، تُستخدم فيها الحركاتُ الثورية كأوراقِ ضغطٍ أو أدواتٍ لتثبيت النفوذ. وبذلك حافظ على استقلاليتهِ السياسية، وعلى ما تبقّى من القيمة الأخلاقية للحركات المسلحة في الوعي الشعبي الدارفوري.
الحركة التي يقودها عبد الواحد ليست مجرّدَ تنظيمٍ عسكريٍّ، بل رؤيةٌ لدولةِ المواطنةِ التي تقوم على العدالةِ والمساواةِ لا على الولاءاتِ القبلية أو العسكرية. فقد دعا مراراً في خطاباتهِ إلى عقدِ مؤتمرٍ سودانيٍّ شاملٍ داخل البلاد، تشارك فيه كلُّ القوى المدنية والمجتمعية دون استثناء، على أن يكون هدفهُ صياغة ميثاقٍ وطنيٍّ جديدٍ يؤسسُ لسلامٍ عادلٍ ودولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية.
إنّ هذا المشروع، وإن بدا صعباً وسط ضجيج المدافع، يُمثّلُ استثماراً في المستقبل، ورسالةً إلى المجتمع الدولي بأنّ ثمة من لا يزال يرى في السودان وطناً قابلاً للحياة، لا ساحةً لتصفية الحسابات.
بينما انحاز مناوي وجبريل إلى جانب الجيش تحت شعارات “حماية الدولة” و“الحفاظ على السيادة”، انتهى ذلك الموقف عملياً إلى توسيع دائرة الحرب وجعل المدنيين في دارفور بين مطرقةِ الدعم السريع وسندانِ العمليات العسكرية للجيش.
أما موقف عبد الواحد، فكان أكثر اتزاناً واتساقاً مع مبادئ الثورة السودانية التي نادت بالحرية والسلام والعدالة. فالحياد في هذه الحالة لم يكن موقفاً سلبياً، بل كان انحيازاً للإنسان ضد آلةِ الحرب، ورفضاً لتحويل دارفور مجدداً إلى وقودٍ لصراعٍ لا يملكُ أهلهُ فيه شيئا.
موقفُ القائد عبد الواحد يمكن أن يشكّل نموذجاً لحيادٍ إيجابيٍّ قابلٍ للتعميم في النزاعات الداخلية بالسودان، حيث تتحوّل بعضُ المناطق إلى خطوطٍ إنسانيةٍ فاصلة، توفرُ الحمايةَ للمدنيين دون الانخراط في الاقتتال.
كما يمكن أن يكون هذه الخطوة نقطة انطلاقٍ لمبادرةٍ مدنيةٍ دافورية وفاقية تُعيد الاعتبارَ لقيم العدل والمواطنة، وتُقوّض مشروع عسكرة الإقليم الذي تتبنّاه بعض الحركات المسلحة و أطرافٌ محليةٌ وإقليميةٌ على حدٍّ سواء.
في زمنٍ تُستباحُ فيه القيمُ باسمِ الوطن، يقف عبد الواحد محمد احمد النور شاهداً على أنّ الحياد يمكن أن يكون أعلى درجاتِ الانحياز للإنسان.
إنه حيادٌ يرفضُ القتل، ويؤمنُ أنّ حماية البشر أقدسُ من حماية السلطة، وأنّ الثورةَ الحقيقية ليست في رفع السلاح، بل في صون الحياة من عبثِ الطغاة والجيوش والمليشيات معاً.


