مقالات الرأي

القدرة على التفرد ومقاومة الإمتثال

بقلم: د. كمال عبد العزيز عبد الشافع

لطالما كان الصراع بين التفرد والامتثال سمة متجذرة في تاريخ الإنسان والمجتمعات، وقد تجلّت بشكل خاص في التجارب الدينية والروحية. ويكفي أن نستحضر قول الحكيم: “ما جئت لأوحّد الناس، بل لأفرّق بين الأب وابنه والأم وابنتها”، لندرك عمق هذه الرؤية. لم يكن الحكيم يدعو للفرقة بحد ذاتها، بل كان يعدّ أتباعه لتحديات قادمة، ويؤسس لوعي يُدرك أن الالتزام بعلاقة حقيقية مع الحق قد يستوجب الانفصال عن السياق الاجتماعي المألوف. فالإدراك المسبق للصعوبات يُضعف عنصر المفاجأة ويُيسّر سُبل المواجهة.

عبر التاريخ، مارست السلطات الدينية – سواء في اليهودية، المسيحية أو الإسلام – ضغوطًا هائلة على كل من تجرأ على الاختلاف أو التفرد. فقد كان اليهود يرجمون ويقصون من يخالف الشريعة، واستخدمت المسيحية السياسية في أوروبا والحقبة القسطنطينية الطائفية سلاحًا لتصفية الحسابات السياسية، ومارست الإسلام السياسي ذات الدور في رفض المختلف، إلى جانب الأيديولوجيات الوضعية التي وإن ادّعت الحياد أحيانًا، فهي تمارس القمع اللاواعي على المختلف مما يتطلب اتزان وموضوعية في الممارسة.

إن خطورة هذا الامتثال الجماعي أنه يطمس قدرة الإنسان على الإبداع، ويحرمه من استخدام ملكاته الفطرية التي وُهبت له لفائدته ولخير البشرية. وتُعدّ شخصية الحكيم مثالًا للتفرد الحقيقي، إذ لم يكن فقط الها، نبيًا أو مصلحًا، بل كان متفردًا في تعاليمه وأسلوبه. ففي موقفه الشهير عندما قيل له إن أمه وإخوته في الخارج ينتظرونه، أجاب: “هؤلاء من هم معي، هم أمي وإخوتي”، مُحدثًا بذلك نقلة نوعية في مفهوم الأسرة والانتماء الروحي.

لقد تجاوز الحكيم الأعراف اليهودية التي كانت تُقدّس الناموس والعائلة البيولوجية، إلى تأسيس وعي جديد قوامه الانتماء الروحي للأسرة الإلهية، حيث العلاقة قائمة على الإيمان والفكر، لا على النسب والقرابة. وهنا تكمن إحدى ركائز التفرد: أن يكون الإنسان قادرًا على بناء رؤية ذاتية، حتى لو اصطدمت بالموروث أو التقاليد.

في زماننا المعاصر، ومع الحداثة المتسارعة والعولمة، صار الإنسان مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بالتوازن بين الثبات في المبادئ والمرونة في الممارسة. فالدين، والمجتمع، والسياسة، جميعها تُعنى بالإنسان، ولا يمكن فصل شخصية الإنسان بين “هيكل ديني” و”ساحة اجتماعية”، لأن الانقسام يولّد النفاق الداخلي ويغذي الازدواجية في التعاطي، بينما بسهولة فصل النسبيات عن المطلقات لنحتفظ للالهي قدسيته وللوجود البشري ابداعاته، ليبقى التاثير الايجابي امل الارض.

التساؤل المطروح اليوم: هل القمع الديني والسياسي والاجتماعي هو نتيجة غياب إلهي أم رغبة بشرية في التسلط؟ إن ما يُعدّ تفردًا اليوم قد يُتهم بالكفر أو النفاق في بيئات لا تحتمل التعدد، بينما هو في حقيقته نزوع إنساني فطري للتمايز والانطلاق. وإذا ركز الناس على ما يريده الله من الإنسان، لا ما يريده الإنسان من أخيه، فسيظهر الاختلاف بوصفه تجليًا للإبداع الإلهي، لا تهديدًا للوحدة.

الامتثال، من جهة، قد يبدو مريحًا، لكنه يُخدّر العقل ويُبعد الإنسان عن التفكير الخلاق، ويجعله تابعًا في الفكر والسلوك. أما التفرد، فهو سمة من سمات النضج النفسي، لأنه يرتكز على الوعي بالذات، وتحمل المسؤولية، والقدرة على مقاومة السائد حين يكون معيقًا للنمو. وقد صُنع الاختلاف ليكون بوابة للإبداع والتجديد، لا مادة للصراع والرفض.

في المجتمعات الغربية، تظهر القدرة على التفرد أكثر وضوحًا بفضل البناء الثقافي الذي يُشجع الاستقلال الذاتي، مقابل البيئات التقليدية العربية والإسلامية والأفريقية التي كثيرًا ما تخشى الاختلاف. ذلك لأن الامتثال يُعدّ في هذه المجتمعات ضرورة لحماية القيم، بينما هو في الواقع يُخفي خوفًا من التفكير الحر، ويُنتج عقلًا جمعيًا متكلسًا.

في النهاية، ما أجمل أن يُمارس الإنسان إيمانه وتدينه وتفكيره بحرية وتفرد، دون قسر أو إكراه. فالله خلق الإنسان متفردًا ليعبّر عن ذاته، ويُسهم في العالم بخصوصيته، لا أن يكون ظلًا لغيره. والتفرد، في جوهره، ليس تمردًا على القيم، بل هو سلوك أصيل نابع من فهم عميق للذات ولرسالة الحياة.

30 سبتمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x