مقالات الرأي

القضاء بين الحياد في الدولة العلمانية وخصوصية التجربة السودانية


بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


عند الخوض في غمار الفلسفة السياسية، يبرُز مفهوم العلمانية كأحد أكثر المفاهيم إشكالاً وإثارة للجدل في تاريخ الفكر البشري، إذ طاله كثير من التشويش والغموض واللبس . فالعلمانية ليست مجرد شعار “فصل الدين عن الدولة” الذي يُختزل في ذهن العامة، بل هي نظرية لفهم تطور تاريخي طويل خضعت له المجتمعات الحديثة، وهي آلية تفكير عقلانية موضوعية تتطلب فهماً دقيقاً لشروط إمكانها ومجال تطبيقها . فمن الناحية الفلسفية، تعني العلمانية فصل سلطة الشعب عن كل سلطة خارجية في عمليات التشريع، ووضع تصورات عامة للنظام السياسي على اعتبار أن الشأن السياسي هو مجال لتدبير النسبي وليس المطلق؛ إذ يكمن النسبي في الممارسة البشرية القابلة للخطأ، بينما يحيل المطلق إلى ما هو متعالٍ لا يأتيه الباطل . لقد ساهمت عدة شروط في ظهور المفهوم، أبرزها: الثورة العلمية التي حررت العلم من المراقبة الثيولوجية لرجال الدين، وتأسيس الدولة الحديثة التي حررت المجال السياسي من كل شرعنة ثيولوجية للسلطة، وبروز مفهوم الفرد بما يحمله من إرادة وعقل مستقل عن الدولة والمجتمع، وأخيراً استقلال المجالات الثقافية عن هيمنة المؤسسة الدينية .
في هذا السياق الفلسفي، تظهر الدولة العلمانية ككيان محايد لا يتبنى أيديولوجية دينية رسمية، بل يقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح لدى فلاسفة كبار أمثال هيغل الذي رأى أن العلمنة ما هي إلا تحويل لمفهوم العناية الإلهية ليصير “العقل الذي يحكم العالم”، وكذلك لدى فيورباخ ونيتشه وفيبر الذين تعمقوا في فهم تحولات المجتمعات الحديثة . أما الفيلسوف البريطاني جون لوك، الذي يُعد من أوائل من وضعوا أسس هذا الفكر، فقد استنتج أن وظيفة الدولة تنحصر في رعاية مصالح المواطنين الدنيوية، لأن وظيفة الدين هي السعي لخلاص النفوس في الآخرة، مع التأكيد على أن هذا الفصل لا يعني عداء للدين، بل هو إنقاذ له من تلاعب رجال السلطة به واستخدامه لأغراض الحكم . فالانحياز لدين أو مذهب معين يشجع على النفاق والتدين المظهري ويفكك الدولة، ويهدد وحدة المجتمع والتعايش السلمي بين المواطنين . وهكذا، فإن القضاء في الدولة العلمانية يستمد سلطته من الدستور والقوانين الوضعية، ويقوم على تطبيقها على جميع المواطنين دون تمييز، محققاً بذلك مبدأ المساواة الذي يمثل حجر الزاوية في فلسفة الحقوق الحديثة.
إن المفهوم الفلسفي للعلمانية يتقاطع بشكل وثيق مع مفهوم المواطنة المتساوية، الذي يطرح نفسه كبديل استراتيجي لأنظمة الحكم القائمة على التمييز والتهميش. فالمواطنة المتساوية، في جوهرها، تعني أن كل فرد، أياً كان لونه أو دينه أو قبيلته أو منطقته، هو مواطن كامل الحقوق والواجبات، لا يختلف عن أي مواطن آخر أمام القانون وفي الفرص والخدمات . هذا المفهوم ارتبط في نشأته بظهور الدولة الحديثة ذات السيادة في أوروبا، حيث تطورت فكرة المواطن “الذي يمتلك الحقوق غير القابلة للاعتداء عليها من قبل الدولة” . وللمواطنة أبعاد متعددة: بعد جغرافي يرتبط بالإقليم، وبعد اجتماعي يتمثل في الانتماء والهوية، وبعد قانوني يحدد العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الدستور والقوانين، وأخيراً بعد سياسي يتجلى في المشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العام . وهذه الأبعاد تقوم على ركنين أساسيين هما المساواة والمشاركة، فالمساواة تعني المعاملة المتساوية “في” و”أمام” القانون بغض النظر عن أي اختلافات، بينما المشاركة تعني أن المواطن ليس مجرد رعية سلبية بل هو عنصر فاعل في صنع القرار، كما رأى الفيلسوف جان جاك روسو الذي أكد أن مشاركة المواطنين في صنع القوانين هي التي تجعلهم أحراراً والقوانين شرعية .
في السياق السوداني، تكتسب المواطنة المتساوية بعداً أكثر عمقاً وإلحاحاً، خاصة في ظل الحركات المسلحة التي ناضلت ضد سياسات التهميش والتمييز التي مارستها النخب المركزية على مدى عقود. تطرح حركة / جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور رؤية تقوم على أن إقامة دولة المواطنة المتساوية هو المشروع الوطني الجامع، بل الخطوة الأولى ذات الأهمية القصوى لبناء السودان بعد انتهاء الحرب، والتي لا تفوقها في الأهمية أي خطوات أخرى كالبناء الاقتصادي أو البنية التحتية . هذا الطرح يستند إلى تشخيص دقيق لجذور الأزمة السودانية، حيث أن التراكمات التاريخية من تهميش وتغييب للولايات والأقاليم المختلفة كانت الدافع الرئيس للاحتقان والصراع. فالمواطنة المتساوية وفق رؤية الحركة تعني تكافؤ الفرص في الخدمة المدنية والوظائف الدستورية، بحيث يحصل أبناء كردفان على وظيفة أو منصب بنفس سهولة أبناء الخرطوم، ويعكس الموظفون في العاصمة والولايات تنوع السودان كله . كما تعني العدالة التنموية، عبر تطبيق نظام ميزانية فدرالي عادل يوجه المشاريع للخدمات الأساسية من صحة وتعليم في المناطق الطرفية، ليشعر مواطن الأرياف والقرى بأنه شريك حقيقي في ثروة بلاده . وتعني أيضاً الالتفاف حول جيش قومي موحد يعكس التنوع العرقي والمناطقي، بحيث لا يكون الولاء إلا للوطن والدستور .
إن هذه الرؤية للمواطنة المتساوية تلتقي في جوهرها مع المفهوم الفلسفي للعلمانية، الذي يقوم على حياد الدولة وضمانها للحقوق المتساوية لجميع المواطنين. فالدولة التي تتبنى المواطنة كأساس للحكم لا يمكنها أن تتبنى ديناً رسمياً يمنح أتباعه امتيازات على حساب الآخرين، ولا يمكنها أن تمارس التمييز على أساس الهوية أو الانتماء الجهوي. هنا يصبح القانون والدستور هما الضامنان الوحيدان للحقوق، وتصبح المؤسسات الرقابية والقضاء المستقل هما الحاميين لهذه المبادئ من أي تراجع أو انفراد بالسلطة .
على النقيض من هذا النموذج الفلسفي، يمثل تاريخ القضاء في السودان رحلة معقدة من التشابك بين المرجعية الدينية الإسلامية والقوانين الوضعية. ففي عهد مملكة سنار وفترة المهدية، كان القضاء يستمد أحكامه بشكل أساسي من الشريعة الإسلامية، حيث كان القاضي الواحد يفصل في جميع أنواع القضايا وفقاً للناموس الديني . ثم جاء الاستعمار البريطاني ليشكل نقطة تحول جذرية بإحداثه الفصل بين القضاء المدني والشرعي، حيث طبق القوانين المدنية المقتبسة من القانون الهندي البريطاني في المجالات المدنية والجنائية، بينما ترك مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين تخضع للشريعة . وبعد الاستقلال، استمر الجدل حول المرجعية القضائية، وشهدت الفترة مداً وجزراً في العلاقة بين القضاء المدني والشرعي، مع فصلهما ودمجهما عدة مرات قبل أن يتم الدمج النهائي عام 1983م، وهو العام نفسه الذي شهد إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد .
اليوم، يظل السؤال الفلسفي حول مرجعية القضاء مطروحاً بقوة في الساحة السودانية. يرى المفكر السوداني عبد الله أحمد النعيم أن تطبيق الدولة للشريعة سيظل “علمانياً” في جوهره، لأنه خاضع لتفسير البشر الذين يسيطرون على الدولة، وأن تدوين الشريعة في قوانين جامدة يتعارض مع طبيعتها التعددية . هذا الطرح يعكس إشكالية فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة السلطة والتشريع، وهل يمكن للدين أن يكون مصدراً للحكم في دولة متعددة الثقافات والأديان؟ أم أن الحل يكمن في تبني نموذج المواطنة المتساوية الذي يضمن للجميع الحقوق نفسها بغض النظر عن معتقداتهم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى ضرورة التمييز بين الدين كنسق متعالٍ، وبين التصورات الدينية المحايثة التي تفهم الدين وفق منظور بشري معين . فالعلمانية لا تعني إقصاء الدين من الحياة الخاصة أو من الفضاء العام، بل تعني حياد الدولة في الشؤون الدينية، ومنعها من استخدام سلطتها الزجرية لصالح دين على حساب آخر، كما تعني تحرير المجال السياسي من أي ادعاءات بالقداسة أو المطلقية . في هذا الإطار، تصبح الدولة بمثابة “العقل” الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، وتصبح القوانين المدنية هي الإطار المشترك الذي يتفق عليه المواطنون لإدارة شؤونهم الدنيوية، بينما يبقى الدين تجربة شخصية ووجداناً فردياً لا يحق للدولة التدخل فيه أو تسخيره لأغراضها .
في الختام، يمثل السودان حالة فريدة تختزل صراعاً فلسفياً عميقاً بين مرجعيتين: مرجعية دينية تقوم على تطبيق الشريعة، ومرجعية مدنية تقوم على المواطنة المتساوية. إن طرح حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور لمفهوم المواطنة المتساوية كأساس لبناء الدولة السودانية بعد الحرب، يمثل نقطة التقاء مع الرؤية الفلسفية للعلمانية التي تنشد دولة محايدة تضمن الحقوق المتساوية للجميع. لكن يبقى التحدي الأكبر هو كيفية ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، من خلال دستور قوي ومؤسسات رقابية وقضاء مستقل يحمي هذه المبادئ من أي تراجع، ويضمن أن يشعر المواطن البسيط بأن الدولة السودانية هي حقاً “دولة المواطنة المتساوية” التي تحقق له الأمن والفرصة والعدالة، لا مجرد حبر على ورق . إنها معركة فلسفية وسياسية في آن واحد، تتطلب وعياً عميقاً بجذور المشكل وحلوله، وإرادة حقيقية لتجاوز إرث الماضي نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.
بتاريخ 17مارس2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x