مقالات الرأي

الكذبة كسلاح: حرب السودان الموازية على جبهة المعلومات وأثرها في استقرار البلاد


بقلم:أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


في خضم الصراع المسلح الذي يشهده السودان منذ أبريل عام 2023م، لم تقتصر ساحات المعركة على الأرض التي ترزح تحت وطأة القصف والاشتباكات المباشرة، بل امتدت بسرعة إلى فضاء رقمي موازٍ تحول إلى ساحة حرب ذات أبعاد استراتيجية لا تقل خطورة عن المواجهات العسكرية. لقد تحولت ظاهرة التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة من أداة دعائية تقليدية تستخدم في أوقات الحروب إلى سلاح فتاك ومنظومة متكاملة تعمل وفق آليات دقيقة ومنهجيات علمية، إذ باتت جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجيات العسكرية والسياسية والإنسانية لأطراف النزاع المختلفة في السودان. هذه الظاهرة لم تعد مجرد وسيلة لتضليل العدو أو رفع معنويات الجنود، بل تجاوزت ذلك إلى تشويه الحقائق وإعادة كتابة التاريخ في لحظاته الراهنة، وتجييش الرأي العام المحلي والدولي، وتقويض أسس الثقة بين مكونات المجتمع الواحد، الأمر الذي يهدد النسيج الاجتماعي للبلاد ويقوض أي جهد مستقبلي لتحقيق الاستقرار المنشود، ويرسخ حالة من الفوضى المعرفية التي قد تستمر لعقود بعد توقف إطلاق النار الفعلي.
تمثل البيئة المعلوماتية في السودان اليوم نموذجاً دراسياً معقداً لانهيار المنظومة الإعلامية في ظل النزاعات المسلحة، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى انهيار ما يقرب من تسعين في المئة من البنية التحتية الإعلامية المؤسسية في البلاد، وفقدان نحو ثمانين في المئة من الصحفيين المحترفين لأعمالهم ومصادر رزقهم، بين من هجر بيته أو فقد حياته أو اضطر إلى ترك المهنة تحت وطأة القمع والخطر المحدق. هذا الانهيار المأساوي للمؤسسات الإعلامية التقليدية التي كانت تشكل مرجعية مهنية للمواطن، ترافق مع حملات ممنهجة من القطع المتعمد لشبكات الاتصالات والإنترنت في مناطق شاسعة من البلاد، وخاصة في إقليم دارفوروالمدن الرئيسية الأخرى، مما خلق فراغاً هائلاً في المشهد المعلوماتي لا يمكن للمواطن العادي أن يجد فيه أي مرجعية موثوقة أو جهة يمكن الوثوق بها للحصول على معلومة دقيقة. وقد استُخدم هذا القطع المتعمد لشبكات الاتصال، كما حدث بوضوح في حصار مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، كوسيلة من وسائل الحرب الحديثة لإخفاء الفظائع التي ترتكب ضد المدنيين، وإعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين المحتاجين، ومنع توثيق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي غياب المصادر الموثوقة والمعتمدة، وجد الملايين من السودانيين داخل البلاد وفي مخيمات اللجوء بدول الجوار، أنفسهم يعتمدون بشكل شبه كلي على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المراسلة الفورية، التي تحولت هي الأخرى بسرعة إلى ساحة معركة موازية، تزخر بالدعاية المضللة والأخبار المزيفة المصممة بعناية وفق تقنيات الهندسة الاجتماعية، وخطاب الكراهية المتصاعد الذي يستهدف تأجيج الصراعات العرقية والقبلية التي كانت تعتبر من أمراض الماضي التي تجاوزها السودان الحديث، مما يعيد إنتاج أنماط العنف الموروثة بأشكال أكثر تعقيداً وانتشاراً.
تتخذ ظاهرة التضليل الإعلامي في السودان أشكالاً متعددة ومتداخلة، يمكن تحليلها وفق نموذج أكاديمي يميز بين ثلاثة مستويات رئيسية من المعلومات المضللة.
● المستوى الأول: يتمثل في المعلومات المضللة بالكامل، وهي تلك الأخبار والروايات التي لا تمت للواقع بصلة وتُنتج من العدم باستخدام تقنيات متطورة، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي، والتسجيلات الصوتية المزيفة التي تنسب إلى قادة سياسيين وعسكريين، والخرائط المفبركة لمناطق العمليات العسكرية.
● المستوى الثاني: يتمثل في المعلومات المضللة جزئياً، حيث يتم تناول حدث حقيقي ولكن يتم تحريف سياقه أو تضخيم بعض جوانبه أو إغفال جوانب أخرى جوهرية، أو إعادة استخدام صور ومقاطع قديمة من صراعات سابقة في السودان أو من مناطق أخرى حول العالم وتقديمها على أنها من المشهد السوداني الراهن.
● أما المستوى الثالث : فيتمثل في المعلومات المضللة بالانتقاء، حيث يتم التركيز على جانب واحد من الحقيقة وتكراره بشكل مكثف مع تجاهل الجوانب الأخرى، مما يخلق انطباعاً مشوهاً بالواقع ويسهل على الجمهور تبني رواية أحادية غير مكتملة. وتعمل هذه المستويات الثلاثة معاً في منظومة متكاملة، حيث يبدأ التضليل بالمعلومات المزيفة بالكامل لإحداث الصدمة وجذب الانتباه، ثم تُستخدم المعلومات المضللة جزئياً لإضفاء قدر من المصداقية، ثم يُعزز ذلك بالتركيز الانتقائي لتثبيت السردية المطلوبة في أذهان المتلقين، مع الاستعانة بشبكات من الحسابات الوهمية والبيوتات التي تعمل على مضاعفة الرسائل ونشرها بشكل فيروسي، مما يخلق انطباعاً مصطنعاً بالشعبية أو الإجماع حول رواية معينة، ويصعب على المواطن العادي، بل وعلى المحللين والخبراء، التمييز بين الحقيقة والكذب في هذا المشهد المتشابك.
تتنوع الأطراف الفاعلة في هذه الحرب المعلوماتية، ولكل منها استراتيجياته وأدواته وأهدافه المحددة، مما يخلق ساحة معركة معقدة يصعب فيه تتبع مسارات التضليل ومصادره. فمن جانب، استثمرت قوات الدعم السريع بشكل كبير ومبكر في بناء حضور رقمي متقدم ومنظم، بدأ قبل اندلاع الحرب بأشهر طويلة، بهدف إعادة تشكيل صورتها العامة كحامية للديمقراطية والثورة، وكقوة تحرر تسعى للإطاحة بما تصفه بالنظام القديم، متجاهلةً وممحصةً تاريخها المثقل بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور، والتي لا تزال موثقة في تقارير الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. وتعتمد حملات الدعم السريع على استخدام مكثف لمنصات مثل تيك توك وفيسبوك وتويتر، مع استراتيجية واضحة لاستهداف الفئات العمرية الشابة التي تشكل غالبية مستخدمي هذه المنصات، وتستعين بشركات علاقات عامة دولية متخصصة في إدارة الأزمات وتحويل صورة الجماعات المسلحة، مع الاعتماد على شبكات من المؤثرين والمدونين المأجورين لنشر المحتوى المؤيد لهم وتهييج المشاعر ضد خصومهم. ومن الجانب الآخر، يروّج الجيش السوداني لسردية “معركة الكرامة الوطنية” لتقديم نفسه كحامي للدولة ومؤسساتها، وكحصن أخير في وجه ما يصفه بالتمرد الذي يهدد وحدة التراب الوطني، لكنه يعتمد بشكل أكبر على وسائل الإعلام التقليدية التي يسيطر عليها جزئياً في المناطق الخاضعة لسيطرته، مقابل حضور أقل تطوراً وتنظيماً على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لا يخلو هو الآخر من استخدام البيوتات والحملات الممنهجة لنشر المعلومات المضللة وتضخيم الانتصارات وتقليل الخسائر وإبراز الروح الوطنية. ولا تقف المعركة عند هذين الطرفين الرئيسيين، بل تنضم إليها بقوة أطراف أخرى ذات أجندات مختلفة، وعلى رأسهم الإسلاميين المرتبطون بالنظام السابق والمتمركزون في صفوف الجيش، الذين يسخرون حملاتهم الإلكترونية لاستهداف القوى المدنية والإطار التنسيقي لقوى الحرية والتغيير، وتصويرهم كخونة وعمالة للأجندات الخارجية، في محاولة ممنهجة لإجهاض أي جهود سلام مستقبلية وإطالة أمد الحرب بما يخدم بقاءهم في المشهد السياسي والعسكري، ويضمن عدم خروجهم من معادلة السلطة في أي تسوية مستقبلية.
تتجلى الآثار السياسية المدمرة لهذه الحرب المعلوماتية في عدة مستويات متداخلة تؤثر بشكل مباشر على استقرار البلاد ومستقبلها السياسي.
● على المستوى الأول: تؤدي حالة التضليل المستمرة إلى تآكل الثقة في المؤسسات الوطنية والدولة ذاتها، حيث يصبح المواطن غير قادر على التمييز بين البيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة وبين البيانات المزيفة المنسوبة إليها، مما يفقد الدولة مصداقيتها حتى في الأوقات التي تقدم فيها معلومات صحيحة، وهذا التآكل في الثقة يمتد إلى جميع مؤسسات الدولة بما فيها القضاء والمفوضيات المستقلة والأجهزة الأمنية، مما يجعل أي عملية إعادة بناء للدولة بعد انتهاء الحرب أكثر صعوبة وتعقيداً، لأنها تتطلب إعادة بناء الثقة المفقودة في مؤسسات تم تشويه صورتها عبر حملات ممنهجة من التضليل استمرت لأشهر طويلة.
● على المستوى الثاني: تساهم هذه الحملات في تعزيز الاستقطاب السياسي الحاد وتكريس الانقسامات بين مكونات المجتمع السياسية، حيث يستخدم كل طرف التضليل لتأكيد شرعيته ونزع شرعية الطرف الآخر، مما يجعل أي حوار سياسي أو مفاوضات سلام شبه مستحيلة، لأن الأطراف لم تعد تتفق على الحقائق الأساسية التي يمكن أن تنطلق منها المفاوضات، بل يعيش كل طرف في واقع معلوماتي مختلف تماماً عن الآخر.
● على المستوى الثالث: تؤثر هذه الحملات على الموقف الدولي تجاه الأزمة السودانية، حيث تنجح بعض الأطراف في تضليل المجتمع الدولي وتشويه صورة خصومها، مما يؤثر على طبيعة الدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات التي تقدمها الدول والمنظمات الدولية، ويخلق حالة من الارتباك في المواقف الدولية ويصعب من مهمة الوسطاء في إيجاد حلول توافقية مقبولة من جميع الأطراف.
أما الآثار الإنسانية لهذه الظاهرة فربما تكون أكثر خطورة وإلحاحاً، حيث تترجم المعلومات المضللة مباشرة إلى معاناة إنسانية ملموسة وتهديد لحياة المدنيين بطرق متعددة ومتداخلة. ففي المقدمة، تشكل المعلومات المضللة حول مناطق النزاع وطرق الإخلاء الآمن ومواقع توزيع المساعدات تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، حيث تسببت معلومات كاذبة عن ممرات إنسانية آمنة في مقتل وإصابة عشرات المدنيين في الفاشر ومخيمات النازحين في دارفور، الذين حاولوا الفرار من مناطق القتال بناءً على هذه المعلومات المغلوطة، فوجدوا أنفسهم في مناطق اشتباكات أو تحت نيران القناصة أو في مناطق ملغومة. كما أن الحملات الممنهجة لتشويه صورة العاملين في المجال الإنساني ومنظمات الإغاثة، عبر اتهامهم بالولاء لجهات خارجية أو بالتجارة في معاناة الناس أو بتسهيل عمليات التجسس، تعيق بشكل كبير وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين السودانيين الذين يعانون من الجوع والمرض، وتجعل مهمة المنظمات الإنسانية في غاية الصعوبة بل والخطورة، حيث يتعرض عمال الإغاثة للاستهداف المباشر بعد أن تم تسميتهم كأعداء عبر حملات التضليل المكثفة ،بما فيها عدت الي اغلاق مكتبات والغاء شهادات مزاولة العمل الانساني لعدد من المنظمات في اقليم دارفور وعدد من الاقاليم. والأكثر خطورة هو استخدام المعلومات المضللة كغطاء لارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، حيث تنفي الأطراف المتحاربة أي ادعاءات بارتكاب فظائع بحجة أنها مفبركة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي، حتى عندما تكون هذه الادعاءات موثقة بأدلة دامغة من منظمات حقوقية موثوقة، مما يشجع مرتكبي الانتهاكات على الاستمرار في جرائمهم دون خوف من المساءلة، ويخلق بيئة من الإفلات من العقاب كانت أساسية في إشعال الصراعات السابقة في السودان، ويعزز ثقافة العنف التي تنتقل من جيل إلى جيل.
هذا الواقع المأساوي يقود إلى ظاهرة تعرف في الأدبيات الأكاديمية بـ”عائد الكاذب”، وهي حالة من الارتباك المعرفي وفقدان الثقة المطلقة تجعل من المستحيل تقريباً على المواطن العادي، بل وعلى المحللين والخبراء والمنظمات الدولية، التمييز بين الحقيقة والكذب في أي خبر يتداول حول الأزمة السودانية. هذه الظاهرة تجعل المجتمع بأسره يعيش في حالة من الشك الدائم والإحباط المعرفي، حيث صرّح أحد اللاجئين السودانيين في مقابلة مع منظمة دولية متخصصة في حماية اللاجئين قائلاً: “الجميع يكذبون اليوم، ولدينا القليل جداً من المعلومات التي يمكن الوثوق بها”، وهذا الشعور العام بفقدان الثقة يمتد ليشمل ليس فقط أطراف النزاع، بل أيضاً وسائل الإعلام المستقلة والمنظمات الحقوقية وحتى وكالات الأمم المتحدة، مما يخلق بيئة تسمح للأطراف المتحاربة بنفي أي ادعاءات ضدها بسهولة، ويجعل مهمة توثيق الانتهاكات وتقديم الجناة للعدالة شبه مستحيلة، ويقوض قدرة المجتمع الدولي على الضغط من أجل وقف إطلاق النار وحماية المدنيين. والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة تخلق حالة من اللامبالاة والخدر الأخلاقي لدى الجمهور، حيث يصبح الناس غير قادرين على الاستجابة بشكل مناسب للمعاناة الإنسانية التي يشاهدونها، لأنهم غير متأكدين مما إذا كانت حقيقية أم مجرد دعاية، مما يقلل من حجم التضامن الإنساني والعون الذي يقدمه الأفراد والمجتمعات داخل السودان وخارجه.
في مواجهة هذا التحدي الهائل، تبرز عدة حلول ممكنة تتطلب جهوداً متضافرة من مختلف الأطراف على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ولا يمكن لأي حل منفرد أن يعالج هذه الظاهرة المعقدة التي تمتد جذورها في عمق الصراع السوداني.
● على المستوى المحلي، يعد دعم الإعلام المستقل وحماية الصحفيين والناشطين المدنيين خطوة أساسية وجوهرية، من خلال إنشاء آليات حماية فعالة للصحفيين في مناطق النزاع، وتوفير التدريب اللازم لهم لمواجهة حملات التضليل والتشويه، ودعم الوسائل الإعلامية المستقلة مادياً وتقنياً لتتمكن من الاستمرار في عملها رغم الظروف الصعبة. كما يجب العمل على تعزيز قدرة المواطنين على التنقل في المشهد المعلوماتي المعقد من خلال برامج التثقيف الإعلامي والمعلوماتي في المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية، لتمكينهم من التمييز بين المصادر الموثوقة والمصادر المشبوهة، وتحليل المحتوى الإعلامي بشكل نقدي، والتعرف على تقنيات التضليل الأكثر شيوعاً. هذا بالإضافة إلى ضرورة تفعيل آليات المجتمع المدني للمساءلة والمصالحة، مثل اللجان المحلية لحل النزاعات ومبادرات السلام الأهلي، التي يمكن أن تعمل كبديل موثوق للمعلومات الرسمية في المناطق المتضررة، وتساعد في بناء الثقة المفقودة بين المجتمعات المختلفة.
● على المستوى الإقليمي، يجب على الآليات الإفريقية المعنية بحل النزاعات أن تدرج البعد الإعلامي والمعلوماتي كأولوية في استراتيجياتها لحل الأزمة السودانية، من خلال إنشاء آليات إقليمية للتحقق من المعلومات المتعلقة بالنزاع، وتوفير منصة موثوقة تنشر معلومات دقيقة ومحايدة حول تطورات الأوضاع السياسية والإنسانية، والعمل مع منصات التواصل الاجتماعي لوقف انتشار المحتوى المضلل والخطاب المحرض على الكراهية والعنف. كما يمكن للدول الإقليمية المجاورة أن تلعب دوراً مهماً في حماية اللاجئين والنازحين السودانيين من تأثير هذه الحملات، وتوفير بيئة آمنة للصحفيين والناشطين السودانيين لممارسة عملهم بعيداً عن التهديدات والضغوط التي يتعرضون لها داخل البلاد.
● على المستوى الدولي، يجب على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بذل جهود مضاعفة لمواجهة هذه الظاهرة، من خلال تعزيز آليات الرصد والتوثيق المستقلة للانتهاكات، ودعم عمل المحكمة الجنائية الدولية في جمع الأدلة الرقمية التي أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من الأدلة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما يجب الضغط على شركات التكنولوجيا الكبرى المسؤولة عن منصات التواصل الاجتماعي لتحمل مسؤولياتها في مواجهة التضليل وخطاب الكراهية المنتشر على منصاتها، من خلال تطوير آليات أكثر فعالية للكشف عن المحتوى المضلل وإزالته، وزيادة الشفافية في خوارزميات التوصية التي تعزز انتشار المحتوى المتطرف، والعمل بشكل وثيق مع منظمات التحقق من المعلومات المحلية والدولية. ولا يقل أهمية عن ذلك، ضرورة توفير تمويل كافٍ للمنظمات الإنسانية والإعلامية العاملة في السودان لتمكينها من مواجهة حملات التضليل التي تستهدفها، وتطوير استراتيجيات تواصل مبتكرة تصل إلى الجمهور السوداني بطرق تتجاوز القيود التي تفرضها حملات التضليل وقطع الاتصالات.
في خلاصة هذا التحليل، يمكن القول إن أزمة المعلومات في السودان تمثل نموذجاً دراسياً معقداً لتفاعل التكنولوجيا الحديثة مع النزاعات المسلحة التقليدية، حيث تحولت الكذبة من أداة دعائية هامشية إلى سلاح استراتيجي فتاك يُستخدم لتبرير جرائم الحرب، وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكاً لعقود، وإعاقة المساعدات الإنسانية المنقذة للأرواح، وإطالة أمد الصراع بما يخدم مصالح أطراف لا ترغب في سلام حقيقي وشامل. وقد أدى انهيار الإعلام المستقل تحت وطأة القمع العسكري والتدمير المادي الممنهج للمؤسسات الإعلامية إلى خلق فراغ هائل ملأته الدعاية المسعورة وخطاب الكراهية السام، مما جعل استعادة السلام والاستقرار في السودان تحدياً أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. إن إنقاذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي والمؤسسات الوطنية يتطلب جهداً دولياً وإقليمياً ومحلياً عاجلاً وممنهجاً يتجاوز مجرد التنديد بظاهرة التضليل، إلى استراتيجيات عملية للحد من تأثيرها وبناء قدرات المجتمعات والمؤسسات على مواجهتها، فمعركة السودان الحقيقية من أجل مستقبل آمن ومستقر لن تنتهي بإطلاق آخر رصاصة، بل حين يستطيع السودانيين مرة أخرى أن يثقوا بما يسمعونه ويرونه، وحين تصبح الحقيقة هي الأساس الذي يقوم عليه أي بناء سياسي واجتماعي جديد، بعيداً عن كذبات الحرب التي كادت أن تفتك بكل معاني الحياة الكريمة في هذا البلد العريق.
بتاريخ18يوليو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x