الكيزان في السودان بين الإحباط والعدوان: قراءة في سيكولوجية التمسك بالحرب

بقلم: د.كمال عبدالعزيز
لا يمكن فهم الصراع السوداني الراهن من خلال التحليلات العسكرية والسياسية وحدها، إذ تكشف مقاربات علم النفس السياسي عن أبعاد أعمق تتعلق بدوافع الفاعلين السياسيين وسلوكهم في لحظات الأزمات التاريخية. ومن بين النظريات التي تساعد على تفسير بعض جوانب المشهد السوداني تبرز نظرية الإحباط والعدوان، التي ترى أن الأفراد أو الجماعات عندما تواجه خسارة كبيرة أو تشعر بأن أهدافها ومصالحها الأساسية أصبحت مهددة، فإنها قد تلجأ إلى سلوك أكثر عدوانية في محاولة لاستعادة ما فقدته أو منع الآخرين من تحقيق ما تعتبره تهديدًا لوجودها.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى سلوك الحركة الإسلامية السودانية، المعروفة شعبيًا بالكيزان، باعتباره نتاجًا لأزمة سياسية ونفسية عميقة أعقبت سقوط نظامها بعد ثورة ديسمبر. فبعد عقود من السيطرة على الدولة ومؤسساتها، وجدت نفسها أمام واقع جديد يتمثل في فقدان السلطة وتراجع النفوذ وارتفاع الأصوات المطالبة بالمحاسبة والعدالة. ولم تكن هذه الخسارة مجرد انتقال طبيعي للسلطة، بل مثلت انهيارًا لمشروع سياسي كامل ظل لسنوات طويلة يعتبر نفسه صاحب الحق في قيادة الدولة وتوجيه المجتمع.
وقد تعمقت هذه الأزمة نتيجة التراكم التاريخي للأخطاء والانتهاكات التي ارتبطت بفترة حكم الحركة الإسلامية، بدءًا من الانقلاب على النظام الديمقراطي عام 1989، مرورًا بالحروب الداخلية والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وصولًا إلى فض اعتصام القيادة العامة وما ارتبط به من أحداث تركت أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي للسودانيين. لذلك لم تواجه الحركة الإسلامية مجرد معارضة سياسية، بل واجهت رفضًا شعبيًا واسعًا ورفضًا من غالبية القوى السياسية التي ترى نفسها من ضحايا سياساتها خلال العقود الماضية.
ومن منظور نظرية الإحباط والعدوان، فإن هذا الرفض المجتمعي والسياسي الواسع يمكن أن يولد لدى الجماعة شعورًا بالتهديد الوجودي. وعندما تصل جماعة ما إلى قناعة بأنها فقدت فرص العودة إلى السلطة عبر الوسائل التقليدية أو التوافقات السياسية، فإنها قد تصبح أكثر ميلًا إلى خيارات الصراع والمواجهة. فالإحباط هنا لا يتحول فقط إلى غضب، بل إلى استراتيجية تهدف إلى منع تشكل واقع سياسي جديد قد يقضي نهائيًا على نفوذ الجماعة ومصالحها.
وفي هذا الإطار، يرى كثير من المراقبين أن التمسك بخيار الحرب لا يمكن فصله عن الرغبة في البقاء السياسي وإعادة تشكيل موازين القوى على الأرض. فالحرب بالنسبة لبعض الأطراف لا تُفهم فقط باعتبارها مواجهة عسكرية، وإنما باعتبارها وسيلة لتأجيل الحسم السياسي أو فرض شروط جديدة تضمن استمرار التأثير في مستقبل الدولة. وكلما ازداد الشعور بالعزلة وفقدان الشرعية، ازدادت احتمالات اللجوء إلى أدوات القوة والعنف كبديل عن المنافسة السياسية الطبيعية.
في المقابل، ينظر قطاع واسع من السودانيين إلى هزيمة المشروع السياسي المرتبط بالحركة الإسلامية باعتبارها ضرورة تاريخية لإحداث تغيير جذري في بنية الدولة السودانية. ويستند هذا التصور إلى قناعة بأن الأزمات المتكررة التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية لم تكن مجرد أخطاء عابرة، بل نتاجًا لطبيعة النظام السياسي نفسه وآليات إدارته للدولة والمجتمع. ولذلك فإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب، في نظرهم، تفكيك البنية التي أنتجت الاستبداد والحروب والانقسامات، وفتح الطريق أمام بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتعددية السياسية.
وعلى هذا الأساس، لا تُفهم الهزيمة بوصفها انتقامًا من خصم سياسي، بل باعتبارها مرحلة انتقالية ضرورية لإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة تمنع عودة الاستبداد وتؤسس لمؤسسات وطنية مهنية ومستقلة. فالتغيير الجذري الذي ينشده كثير من السودانيين لا يقتصر على تغيير الحكام، وإنما يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بما يضمن المشاركة والعدالة والاستقرار.
إن قراءة المشهد السوداني من خلال عدسة علم النفس السياسي لا تقدم تفسيرًا كاملًا لكل تعقيدات الحرب، لكنها تساعد على فهم الكيفية التي يمكن أن يتحول بها فقدان السلطة والشرعية إلى دافع للتمسك بالصراع. وفي الوقت نفسه، تكشف أن معركة السودان الحقيقية لا تتعلق فقط بمن ينتصر عسكريًا، بل بأي مشروع سياسي سيكون قادرًا على بناء دولة تتسع لجميع مواطنيها وتضع حدًا لدورات العنف التي أنهكت البلاد لعقود طويلة.
17 يونيو 2026م



