المرأة السودانية: من حارسة الحياة إلى صانعة السلام

بقلم: أيمن عبدالعزيز مهدي
في كل حربٍ يخسر الوطن جزءاً من روحه، وتدفع الشعوب أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها. غير أن المرأة تظل الأكثر التصاقاً بكلفة الحرب والأكثر استشعاراً لضرورات السلام. فهي التي تواجه الفقد والنزوح والجوع وانهيار الخدمات، وهي التي تحمل على عاتقها مسؤولية حماية الأسرة والحفاظ على ما تبقى من تماسك المجتمع في أحلك الظروف.
لقد وضعت الحرب الدائرة في السودان المرأة أمام اختبارٍ قاسٍ، لكنها أثبتت مرةً أخرى أن دورها يتجاوز حدود المعاناة إلى فضاء الفعل والتأثير. فمن قلب الأزمات برزت النساء في ميادين العمل الإنساني والمبادرات المجتمعية وجهود الإغاثة، وساهمن في حماية النسيج الاجتماعي من الانهيار الكامل، في وقتٍ كانت فيه لغة السلاح تتقدم على لغة العقل والحوار.
إن السلام ليس مجرد اتفاق يوقَّع بين الأطراف المتحاربة، بل هو مشروع وطني متكامل يقوم على العدالة والمصالحة واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن المرأة السودانية ليست طرفاً هامشياً في معادلة السلام، بل أحد أعمدتها الأساسية. فالتجارب الإنسانية أثبتت أن المجتمعات التي تُقصي النساء من عمليات السلام تدفع ثمن ذلك سلاماً هشاً وعرضة للانهيار، بينما تزداد فرص الاستقرار عندما تكون المرأة شريكاً حقيقياً في صناعة القرار ورسم مستقبل البلاد.
لقد آن الأوان للنظر إلى المرأة السودانية باعتبارها قوة وطنية فاعلة، لا مجرد فئة متأثرة بالحرب. فهي تمتلك من الخبرة المجتمعية والرصيد النضالي والقدرة على بناء الجسور ما يؤهلها للعب دور محوري في تقريب وجهات النظر وتعزيز ثقافة الحوار وقيادة المبادرات الرامية إلى وقف نزيف الدم السوداني.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مشروع سلام وطني جامع، مشروع يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، ويمنح جميع السودانيين فرصة المشاركة في بناء مستقبلهم بنفسهم . وفي قلب هذا المشروع يجب أن تتقدم المرأة إلى موقعها الطبيعي كشريك في صناعة السلام والتنمية وإعادة الإعمار، لا باعتبار ذلك منحةً أو امتيازاً، وإنما استحقاقاً وطنياً تفرضه الكفاءة وتؤكده التجربة.
لقد أثبتت المرأة السودانية عبر مختلف المحطات التاريخية أنها كانت دائماً حاضرةً حين غاب الآخرون، وقويةً حين ضعفت المؤسسات، ومتمسكةً بالأمل حين سادت مشاعر الإحباط. واليوم، وهي تواجه واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ البلاد، تواصل أداء رسالتها الوطنية بإيمانٍ راسخ بأن السودان يستحق مستقبلاً أفضل من واقع الحرب والانقسام.
إن طريق السلام قد يكون طويلاً وشاقاً، لكنه لن يُبنى إلا بسواعد جميع أبناء الوطن وبناته. وعندما تُمنح المرأة السودانية المساحة التي تستحقها في جهود وقف الحرب وإحلال السلام، فإنها لن تكون مجرد مشاركة في صناعة المستقبل، بل ستكون إحدى القوى الرئيسية التي تقود السودان من ساحات الصراع إلى آفاق الاستقرار والوحدة والتنمية.
ولا يمكن الحديث عن السلام في السودان بمعزلٍ عن الأسباب التي قادت البلاد إلى دوامة الحروب والانقسامات. فالكثير من القوى السياسية والمدنية ترى أن السياسات التي انتهجها نظام المؤتمر الوطني خلال عقود حكمه أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وتوسيع نطاق النزاعات المسلحة في أطراف البلاد. كما يعتقد منتقدو النظام أن شبكاته وواجهاته السياسية والإعلامية لا تزال تمثل، في نظرهم، امتداداً لنهجٍ ساهم في إنتاج الأزمات أكثر من تقديم الحلول لها.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء سلامٍ حقيقي يتطلب مواجهة الحقائق بعينها لا مداركتها بمصطلحات نرجسية
ان المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية وواجهاته سبب دوامة الحروب والدمار بالدولة السودانية لذا استبعادهم من العملية السياسية شرط اساسي وضرورة حتمية لا محط إقتراح.
نأكد ان المرأة السودانية لم تكن يوماً مجرد حارسة للحياة، بل كانت ولا تزال صانعةً للأمل، وشريكةً في صناعة التاريخ، وقوةً لا غنى عنها في معركة السلام وبناء الوطن.


