المشروع الحضاري بين الخطاب الديني والممارسة السياسية: السودان في الهاوية

بقلم : زيدان تور
منذ استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة في السودان عام 1989، رُفع شعار “المشروع الحضاري” بوصفه رؤية شاملة لإعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق مرجعية إسلامية. وقد قُدِّم هذا المشروع باعتباره نموذجًا أخلاقيًا وسياسيًا يحقق العدالة والتنمية والاستقرار، ويُعيد للسودان دوره الحضاري في محيطه العربي والإفريقي. غير أن المسافة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية اتسعت مع مرور الوقت، حتى تحوّل المشروع في نظر كثير من السودانيين إلى أحد أبرز أسباب الأزمة الوطنية التي قادت البلاد إلى الانقسام والحروب والانهيار المؤسسي.
اعتمد خطاب المشروع الحضاري على مفردات دينية ذات جاذبية عالية، مثل الشورى والعدل والتكافل والأخلاق العامة. وقد منح هذا الخطاب السلطة السياسية غطاءً دينيًا جعل معارضتها تبدو أحيانًا وكأنها معارضة للدين نفسه. لكن التجربة العملية كشفت أن توظيف الدين في المجال السياسي لم يؤدِّ إلى بناء دولة المؤسسات، بل إلى تكريس الولاء الحزبي والإقصاء السياسي. فقد تم ربط مؤسسات الدولة بمشروع أيديولوجي محدد، الأمر الذي أضعف حياد الدولة وحوّلها إلى أداة لخدمة جماعة سياسية بعينها.
وعلى المستوى الاقتصادي، رفع المشروع شعارات التنمية والاكتفاء الذاتي ومحاربة الفساد، إلا أن الواقع شهد تدهورًا اقتصاديًا متصاعدًا، وازديادًا في معدلات الفقر والبطالة، وانتشارًا واسعًا للفساد والمحسوبية. وأصبح التمكين السياسي والاقتصادي سمة بارزة للمرحلة، حيث جرى إحلال الولاء محل الكفاءة في كثير من مؤسسات الدولة، ما أضعف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
أما في مجال الحريات العامة، فقد اصطدم الخطاب الديني الذي بشّر بقيم العدالة والكرامة الإنسانية بممارسات اتسمت بالتضييق على الصحافة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وأدى ذلك إلى تآكل المجال العام وغياب الحوار الوطني الحقيقي، ما ساهم في تعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي.
ولعل أبرز تجليات فشل المشروع الحضاري تمثلت في عجزه عن إدارة التنوع السوداني. فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات والأديان، يتطلب مشروعًا وطنيًا جامعًا يقوم على المواطنة المتساوية، وتحقيق العدالة الانتقالية دون انتقام السياسي، وإصلاح المؤسسات مع الحفاظ علي كفاءتها واستمرارية العمل، و بناء توافق وطني بين القوة السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكافة ابناء وبنات الشعب السوداني، ومعالجة النزاعات المسلحة والانقسامات الاجتماعية . غير أن هيمنة الرؤية الأيديولوجية الضيقة أسهمت في تعميق الشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وكانت من العوامل التي ساعدت على تفاقم النزاعات المسلحة وانفصال جنوب السودان عام 2011، وهو الحدث الذي شكّل ضربة قاسية لفكرة الوحدة الوطنية.
ومع اندلاع الثورة الشعبية في ديسمبر 2018 وسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، بدا واضحًا أن قطاعات واسعة من الشعب السوداني لم تعد ترى في المشروع الحضاري نموذجًا للإصلاح أو النهضة، بل تعتبره تجربة أخفقت في تحقيق وعودها الأساسية. وقد كشفت السنوات اللاحقة أن الأزمات التي تراكمت خلال عقود الحكم لم تكن مجرد أخطاء إدارية عابرة، بل نتائج بنيوية لخلل عميق في العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة. واليوم بينما يعيش السودان واحدة من أخطر مراحله التاريخية وسط الحرب والانقسام والانهيار الإنساني، يبرز سؤال جوهري: هل كان الخلل في الفكرة نفسها أم في طريقة تطبيقها؟ الإجابة قد تختلف بين الباحثين والمراقبين، لكن ما يبدو مؤكدًا أن أي مشروع سياسي مستقبلي لا يمكن أن ينجح إذا استند إلى احتكار الحقيقة أو توظيف الدين كأداة للشرعية السياسية. فالدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات قوية، ومواطنة متساوية، ومحاسبة شفافة، وفصل واضح بين المقدس الديني والممارسة السياسية.
إن مأساة السودان ليست فقط في فشل مشروع سياسي بعينه، بل في الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب نتيجة الخلط بين الشعارات الأخلاقية ومتطلبات الحكم الرشيد. ومن هنا فإن الخروج من الهاوية يبدأ بمراجعة نقدية شجاعة للتجارب الماضية، وبناء عقد وطني جديد يضع الإنسان السوداني وحقوقه وكرامته في مركز العملية السياسية، بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي واستخدام الدين لتحقيق المكاسب السلطوية.
لذلك فأن القضية ليس مجرد ازالة رموز شخصيات في الموتمر الوطني ،بل تتعلق بكيفية بناءا عقد اجتماعي جديد يتضمن المساواة والحقوق لجميع السودانين ويحافظ في الوقت نفسه علي الاستمرار والتعددية السياسية.



