المشروع الحضاري وأزمة الهوية في السودان:

بقلم : زيدان تور
منذ استقلال السودان ظل سؤال الهوية أحد أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ الدولة. فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات والأديان، إلا أن النخب السياسية المتعاقبة أخفقت في بناء مشروع وطني يعترف بهذا التنوع ويجعله مصدر قوة. وفي هذا السياق برز ما عُرف “بالمشروع الحضاري” الذي تبنته الحركة الإسلامية بعد استيلائها على السلطة عام 1989، باعتباره مشروعًا لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق رؤية إسلامية عربية، غير أن التطبيق العملي لهذا المشروع أثار جدلًا واسعًا حول علاقته بتفاقم أزمة الهوية الوطنية.
اعتمد المشروع الحضاري على تصور جعل الهوية العربية الإسلامية الإطار المهيمن للدولة، وهو ما دفع قطاعات واسعة من السودانيين إلى الشعور بأن ثقافاتهم ولغاتهم وتاريخهم لم تحظ بالاعتراف الكافي داخل مؤسسات الدولة.
ومع مرور الوقت تحولت أزمة الهوية إلى أحد العوامل التي غذّت الصراعات السياسية والمسلحة، وأسهمت في إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية.
ومن هنا تبرز الرؤية التي تطرحها حركة/جيش تحرير السودان، والتي ترى أن جوهر الأزمة السودانية ليس في التنوع نفسه، وإنما في إدارة الدولة لهذا التنوع.
وتدعو الحركة إلى بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، بحيث تكون الحقوق والواجبات أساس العلاقة بين المواطن والدولة، دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللغة أو الثقافة. ووفق هذه الرؤية، فإن الهوية السودانية ليست هوية أحادية، بل هوية وطنية جامعة تستوعب جميع مكونات السودان، وتعتبر التنوع مصدرًا للثراء الوطني وليس سببًا للإقصاء أو الهيمنة.
إن تجاوز أزمة الهوية يتطلب مراجعة نقدية للتجارب السياسية كافة، بما فيها المشروع الحضاري، والانتقال إلى مشروع وطني جديد يؤسس لدولة ديمقراطية عادلة، تحترم التعدد الثقافي والإثني والديني، وتضمن المساواة أمام القانون.
فاستقرار السودان لن يتحقق بفرض هوية واحدة، وإنما ببناء وطن يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الدولة تمثلهم



