النزوح المتكرر: السودان نموذجاً …..

بقلم / ايوب محمد ( مجنق )
في كثير من الأحيان، ينظُر الناس إلى النزوح على أنه حدث واحد: خروج من قرية أو مدينة، والانتقال إلى مخيم أو مدينة أخرى. لكن في السودان اليوم، بات النزوح ظاهرة متكررة، تُكرَّر فيها نفس القصة أكثر من مرة مع نفس الأسرة، بل مع نفس الطفل. لقد تحول النزوح إلى “موضة حياة” في بعض المناطق: يهرب من قريته، ثم يهرب من مخيم النازحين، ثم يهرب من حي فقير في مدينة، ثم يعود إلى ريف آخر، ثم يعود… حتى يُصبح الفرد نفسه يخشى أن يفكّر في “الاستقرار” كأنه حلم بعيد.
حين يُجبر النازح على الفرار أكثر من مرة من نفس البلد، لا يُصبح الأمر مجرد “تنقل”، بل يُصبح تراكم صدمة.
يعيش النازح حالة تكرار مشاهد الدمار، الصوت العالي للقصف، والخوف من الليل، ثم يُكتشف في الصباح أن عليه أن يجمع أغراضه البسيطة ويُغادِر مساحة لم يعُدْ يشعر أنها آمنة. والأصعب أن كثيراً من هؤلاء لا يهربون إلى بلد آخر، بل يهربون داخل نفس السودان، من ولاية لإخرى، من مدينة لمدينة، ومن حي لحي، وكأن البلد نفسه يُضيّق عليهم المساحة.
السودانيون الذين يعيشون في مناطق الحرب يمضون سنواتهم في حالة “انتظار الموجة القادمة”. بين موجة قتال وموجة سيول، وبين طرد من مخيم وضغط اقتصادي في مدينة، يُجبر النازح على أن يُعيد ترتيب حياته مراراً، دون أن يُسمح له ببناء بيت حقيقي أو مشروع مدر للدخل.
في كثير من الأسر، يُفقد التعليم لأن المدرسة التي التحق بها الطفل في مخيم أولى تُغلق أو تُدمر، ثم يُنقل إلى مخيم ثانٍ، فتُقطع سلسلة تعليمه، ويفقد الثقة بنفسه وبالمستقبل.
النزوح المتكرر لا يُدمّر الجسد فقط، بل يُدمّر أيضاً الروابط الاجتماعية. الأسرة تُقسَّم بين أماكن مختلفة، والجيران الجدد لا يُشعرون بالاستقرار ليبنيوا صداقة حقيقية. في بعض الأحيان، يشعر النازح أنه “غريب” في كل مكان، حتى في مدينته التي كان يعيش فيها من قبل، لأنها لم تعد هي نفسها، ولم تعد مكانه الذي يعود إليه بطمأنينة.
السودان اليوم يُقدّم نموذجاً واضحاً لصعوبة إدارة النزوح المتكرر. فبينما يزداد عدد النازحين أكثر من مرة، لا تزال السياسات تتبع نموذج “الحاجة العاجلة” دون تفكير طويل الأمد. يُمسَح الأشخاص في مخيمات مؤقتة، ثم تُهدم بعض المخيمات، أو تُضيق السلطات على النازحين بالقيود الأمنية والاقتصادية، ما يُعيد تدفقهم إلى أماكن أخرى. حتى المدن الكبيرة، مثل الخرطوم، لم تعد مكاناً يُطمئن النازح فيه، بل تتحول إلى مساحة جديدة للقلق، من حيث تكاليف المعيشة، وانعدام فرص العمل، وغياب الحماية الفعالة.
الحل لا يبدأ من إنشاء مخيم جديد، بل من إعادة التفكير في النزوح نفسه. إذا كان النازح سيهرب أكثر من مرة، فهل يجب أن يُعامل كحال “طارئة” فقط، أم كفئة مستمرة تحتاج إلى سياسات حماية وتخطيط طويل الأمد؟ يمكن أن يُسهم في ذلك تسجيل متحرك لحركة النازحين المتكررة، ومشاركة النازحين أنفسهم في اتخاذ القرارات حول أماكن إيوائهم، ودعم برامج تُمكنهم من العمل وبناء مشاريع صغيرة حتى لو كانت متواضعة.
في النهاية، النزوح المتكرر في السودان، كما في كثير من الدول، ليس نتيجة “الحرب فقط”، بل أيضاً نتيجة غياب الرؤية.
مَن يهرب مرتين أو ثلاثاً داخل نفس البلد يستحق أكثر من “مساعدات مؤقتة”؛ يستحق أن يشعر أن مكاناً ما سيكون له مُستقراً، ولو كان هذا المكان في شارع صغير، أو حي متواضع، أو ضاحية على مشارف المدينة. من دون ذلك، سيبقى النازح السوداني، كما غيره، يعيش في دائرة لا يُعرف متى ستُغلق، وحالة مُتصاعدة من الألم تُسمى: “النزوح المتكرر”.



