مقالات الرأي

النضال.. بين مكاسب الفرد وأحلام الشعوب


بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


عندما نتأمل تاريخ البشرية منذ فجر الحضارات، نجد أن النضال كان رفيقاً دائماً للإنسان، لكن الاختلاف الجوهري لم يكن يومًا في شدة النضال أو قسوته، بل في الوجهة التي يتجه إليها وفي الثمرة التي يجنيها من يخوض غماره. فهنالك من ينظر إلى النضال على أنه مجرد عملية حسابية باردة، معادلة بسيطة مؤداها: بذل جهد محدود في مقابل جمع مال وفير، أو الوصول إلى كرسي سلطة يمنح صاحبه القدرة على التحكم في رقاب الناس ومقدراتهم. هؤلاء ينطلقون في حياتهم من زاوية أن العالم ساحة صراع لا مكان فيها إلا للأقوى، وأن الغاية هي أن تجمع لنفسك ما تستطيع من متاع الدنيا، مهما كانت الوسيلة، ومهما كانت التضحيات التي يدفعها الآخرون. في رؤيتهم هذه، يصبح النضال أشبه بسوق كبير للصفقات، يمكنك أن تبيع فيه روحك أو مبادئك أو حتى دماء من حولك، مقابل حفنة من الدولارات أو منصب وزير أو قائد. هم لا يرون في الشعوب إلا أداة للوصول، ولا يرون في الدماء إلا ثمناً زهيداً يمكن دفعه من أجل إشباع جوع لا يشبع للجاه والنفوذ.
وعلى النقيض تماماً من هذه النظرة القاصرة المريضة، هناك نظرة أخرى لا تقل قسوة في طريقها لكنها تختلف في جوهرها اختلاف الليل عن النهار. نحن، نخبة المخلصين وأحرار هذه الأمة، ننظر إلى النضال على أنه الطريق الوحيد الممكن لتحقيق حلم الشعوب، ليس حلماً خيالياً مستحيلاً يضيع في سراب الصحراء، بل حلماً ممكناً، حلماً ولد من رحم المعاناة ونمت جذوره في تربة الكرامة وري بالدماء الطاهرة. النضال بالنسبة لنا هو تلك اللحظة الفارقة التي يقرر فيها إنسان بسيط، فلاح أو عامل أو طالب أو أم، أن يقف في وجه طوفان الظلم وهو لا يملك إلا قلبه النابض بالإيمان وحريته التي لا تقدر بثمن. نحن لا نرى في النضال مجرد وسيلة لجمع الأموال، لأن الأموال إذا كانت هدفاً تحول النضال إلى تجارة والمقاومة إلى صفقة. ونحن لا نرى فيه وسيلة للوصول إلى السلطة لأن السلطة عندما تكون هدفاً فإنها تفسد أنقى النوايا وتحول الثوار إلى طغاة جدد بمجرد أن تمس أيديهم مقابض الحكم.
إن النظرة الأولى التي تختزل النضال في المال والسلطة هي نظرة مستوردة من مدارس فكرية باردة تدرس الصراع الإنساني كأنه معادلة رياضية لا روح فيها ولا إنسانية. هذه النظرة تجد أصولها في الفكر الرأسمالي المتوحش الذي يقدس الربح الفردي مهما كان الثمن، وفي بعض الممارسات السياسية التي تحول الأحزاب والتنظيمات إلى شركات مساهمة للاستحواذ على الثروات. الشعوب التي تبنت هذه النظرة لم تجنِ من ورائها سوى المزيد من الدمار والفساد، لأن النضال الذي يبدأ بشعارات رنانة وينتهي بتوزيع المغانم هو في حقيقته مجرد لعبة كراسي موسيقية، حين تتوقف الموسيقى يجد الجميع أنهم خسروا كل شيء: خسروا العدالة، خسروا الكرامة، وخسروا ثقتهم في بعضهم البعض.
أما نحن، أصحاب النظرة الثانية، فجذورنا ضاربة في عمق تاريخ الشعوب المقهورة التي لم تستسلم يوماً للظلم. نضالنا مستمد من روح الثورات العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ، من ثورة التحرير الجزائرية التي خاضها شعب لم يكن يملك سلاحاً متطوراً أو أموالاً طائلة، لكنه كان يملك حلماً ممكناً: أن تكون الجزائر حرة مستقلة، وأن يعيش أبناؤها بكرامة تحت سماء لا يحكمها مستعمر. كان أبطال الجزائر يعرفون أن النضال ضد الاستعمار الفرنسي سيكلفهم غالياً، سيكلفهم أرواحاً زكية ودماءً طاهرة وأعماراً تقطع في سن الشباب، لكنهم كانوا يدركون أن الثمن الذي يدفعونه اليوم هو استثمار في غد أفضل لأبنائهم وأحفادهم. لم يكن هدفهم جمع المال من وراء المقاومة، بل كانت الأموال التي تصلهم من أشقائهم في العالم العربي والإسلامي مجرد وقود ضروري لاستمرار المعركة، وليس الهدف الأسمى. ولم تكن السلطة التي نالوها بعد الاستقلال هي ما كانوا يحلمون به من البداية، بل كان حلمهم الأكبر هو أن يرحل الجندي الفرنسي الأخير من تراب الجزائر، وأن تستعيد الأمة كرامتها المسلوبة. هذا هو جوهر النضال الحقيقي: النضال الذي يضع حلم الشعاب في المقدمة، ويجعل من المال والسلطة وسائل عارضة لا قيمة لها إن لم تخدما ذلك الحلم الأكبر.
وإذا انتقلنا إلى قارة أمريكا اللاتينية، نجد نموذجاً ثورياً آخر يضيء الطريق لأجيال من المناضلين في العالم. تشي جيفارا، ذلك الثوري الأسطوري الذي ترك دراسته للطب وحياته المريحة في الأرجنتين لينطلق إلى جبال سييرا مايسترا في كوبا، ثم إلى أدغال الكونغو وبوليفيا، لم يكن يبحث أبداً عن المال أو السلطة. تشي كان يعيش فقيراً مثل أفقر جنوده، يقتسم معهم لقمة الخبز ويرتدى نفس الملابس الخشنة ويحمل نفس بندقية الكلاشينكوف البسيطة. عندما سأله أحدهم لماذا يقاتل، أجاب بتلك العبارة التي أصبحت دستوراً لكل ثوار العالم: “دعني أقولك، على خطر أن تبدو سخيفاً، إن الثوري الحقيقي يقوده مشاعر حب كبيرة”. الحب الذي كان يتحدث عنه تشي لم يكن حباً عاطفياً أو غرامياً، بل كان حباً عميقاً للشعوب المقهورة، حباً للعدالة، حباً للحياة التي يستحقها كل إنسان بغض النظر عن لون بشرته أو موطنه. تشي جيفارا كان يدرك أن النضال الذي يهدف إلى جمع الأموال والوصول إلى السلطة هو نضال زائف ينتهي إلى نفس النتيجة السيئة التي بدأ منها، وأن النضال الحقيقي يجب أن يكون مستمراً ومتجدداً حتى تتحقق العدالة الاجتماعية للجميع. عندما قُتل في بوليفيا عام 1967م، لم يترك خلفه أموالاً في بنوك سويسرا، ولم يشغل منصباً حكومياً ثرياً، لكنه ترك إرثاً من الكفاح والإخلاص جعل منه رمزاً عالمياً خالداً، وألهم ملايين الشباب في كل قارات العالم ليرفعوا شعار “حتى النصر دائماً”.
النضال الفلسطيني يقدم لنا نموذجاً معاصراً فريداً في نوعه، نموذجاً يضع حلم الشعب في مقدمة كل شيء، ويتحدى به كل قوانين المنطق العسكري والسياسي. شعب فلسطين الذي يعيش تحت أطول احتلال في التاريخ الحديث، والذي حرم من أرضه ومن بيته ومن حق العودة، لم يستسلم يوماً لليأس، ولم يحول نضاله إلى سوق للصفقات أو وسيلة لجمع التبرعات باسم المقاومة. الطفل الفلسطيني الذي يكبر في مخيمات اللجوء في غزة والضفة والشتات، يحلم بحلم بسيط لكنه عظيم في نفس الوقت: أن يعيش في وطنه، أن يلعب في شوارع القدس دون خوف من رصاصة قناص، أن يرى عائلته مجتمعة حول مائدة واحدة دون أن تفقد أحد أفرادها في مداهمة ليلية أو اعتقال إداري أو قصف عشوائي. هذا الحلم الممكن، حلم الحياة الطبيعية التي يحلم بها أي إنسان في أي مكان، هو ما يغذي النضال الفلسطيني منذ سبعة عقود. المقاومون الفلسطينيون لا يقاتلون من أجل المال، لأنهم يعرفون أن المال لا يمكن أن يعوض بيتاً هدمه الاحتلال أو شجرة زيتون قطعها المستوطنون. ولا يقاتلون من أجل السلطة لأنهم جربوا ويلات الانقسام وتناحر الفصائل وعرفوا أن السلطة إذا أصبحت هدفاً فإنها تحول المقاومة إلى كارثة إنسانية جديدة. هم يقاتلون من أجل حلم أجيال، حلم الحرية والعودة، وهذا الحلم هو الذي يمنحهم القدرة على الاستمرار والصمود في وجه أعتى آلة عسكرية في المنطقة.
في جنوب أفريقيا، كان نضال نيلسون مانديلا ورفاقه ضد نظام الفصل العنصري تجسيداً حياً لهذه الحقيقة الخالدة. مانديلا، ذلك المحامي الأسود الذي آثر أن يتحول إلى ثوري مسلح، وقضى سبعة وعشرين عاماً من عمره خلف القضبان في سجن روبن آيلاند، لم يكن يقاتل ليصبح رئيساً للبلاد، رغم أنه أصبح كذلك لاحقاً. ولم يكن يقاتل ليصبح ثرياً، رغم أنه كان بإمكانه أن يصبح أغنى رجل في أفريقيا لو تنازل عن مبادئه ورضي بالتعاون مع النظام العنصري. مانديلا كان يقاتل من أجل حلم شعبه: حلم المساواة والكرامة الإنسانية، حلم أن يعيش السود والبيض معاً كمواطنين متساوين في دولة واحدة ترفرف فوقها أعلام الحرية للجميع. هذا الحلم الممكن هو الذي جعله يرفض صفقات الإفراج المشروط التي كانت تعرض عليه مقابل التخلي عن الكفاح المسلح، وهو الذي جعله بعد خروجه من السجن يدعو إلى المصالحة لا الانتقام، ويقنع السود بأن الثأر ليس طريقاً لبناء دولة جديدة. عندما تسلم مانديلا الحكم في أول انتخابات ديمقراطية عام 1994م، لم يغير أسلوب حياته الفقير، بل ظل يعيش في منزل بسيط، ويسير بلا حراس، وينادي بأن أعظم ثروة يمكن أن يحصل عليها أي إنسان هي شعوره بأنه ساهم في تحرير شعبه من الظلم. هذه هي الثورة الحقيقية، ثورة الضمير والروح، التي لا تقارن بأي مليارات ولا بأي قصور ولا بأي سلطة.
الآن، وبعد أن استعرضنا هذه النماذج العالمية الملهمة من الجزائر إلى كوبا إلى فلسطين إلى جنوب أفريقيا، لابد أن نتوقف عند واقعنا المرير في السودان، لنفهم بعمق كيف يمكن لهذه الرؤية النضالية أن تنطبق على حالتنا الخاصة، وكيف يمكن للنضال الذي يضع حلم الشعوب في المقدمة أن يكون هو السبيل الوحيد لإنقاذ بلد منهك منذ عقود.
السودان، ذلك البلد العظيم المساحة والغني بالموارد والإنسان، عانى طويلاً من ويلات النضال الذي فُهم بالطريقة الخاطئة. لقد تحول النضال في السودان لعقود طويلة إلى لعبة قذرة يجمع فيها بعض الناس المال والسلطة باسم الشعب وباسم الدين وباسم الثورة، بينما يدفع الشعب البسيط أثقال هذه المغامرات الفاشلة. كنا نرى أنظمة عسكرية تصل إلى الحكم عبر انقلابات تزعم أنها تصحح مسار الأمة، لكنها بمجرد أن تمسك بمقود السلطة تتحول إلى نسخة أسوأ مما كانت تقاتل ضده. كنا نرى أحزاباً سياسية تتحول إلى شركات عائلية يديرها الآباء والأبناء، وتتنازع على المناصب والامتيازات بينما المواطن العادي لا يجد لقمة العيش ولا دواء في المستشفيات ولا مقعداً في الفصول الدراسية. كنا نرى نضالاً جهوياً وإثنياً يستغل مشاعر التهميش والحرمان ليجمع المقاتلين تحت رايات عرقية أو قبلية، ويحول النضال من أجل الحقوق العادلة إلى صراع هويات مدمر يهدد وحدة البلد وتماسكه الاجتماعي.
لقد جرّب السودانيين كل أنواع النضال المشوه. جربوا النضال العسكري الذي يصل إلى الحكم عبر الدبابات والرصاص، فأنتج ديكتاتوريات عسكرية أغرقت البلاد في الحروب الأهلية وعزلتها عن العالم. جربوا النضال السياسي التقليدي الذي تديره الأحزاب المتربعة على مقاعدها منذ الاستعمار، فأنتج فساداً إدارياً ومالياً وتبديداً للموارد العامة. جربوا النضال الاقتصادي الذي يرفع شعارات التنمية والنهضة، فإذا به يتحول إلى آليات لنهب المال العام وإفقار الطبقات الكادحة وإثراء نخبة صغيرة من رجال الأعمال المتسلقين على ظهور السلطة. جربوا النضال العسكىي والإقليمي الذي جاء في شكل حركات مسلحة تطالب بتوزيع عادل للثروة والسلطة، وبعض هذه الحركات نجح في تحقيق بعض المطالب العادلة، لكن الكثير منها تحول مع الوقت إلى ميليشيات قبلية ومراكز قوى متنفذة تتصارع على الغنائم والموارد. وحصيلة كل هذه التجارب الفاشلة كانت واحدة: شعب سوداني مرهق، دولة منهكة، أحلام مؤجلة، وكرامة إنسان سوداني تدهس يومياً تحت أقدام الطغمة الحاكمة التي تستبدل بنا.
لكن وسط هذا الظلام الحالك، كانت هناك دائماً جذوة أمل لا تنطفئ. كان هناك دائماً ذلك السوداني البسيط، الفلاح الذي يواصل حرث أرضه رغم قلة الأمطار وغلاء التقاوي، العامل الذي يكدح من فجر يومه إلى مغربه ولا يجد أجراً يكفي لإطعام أطفاله، المعلم الذي يعطي دروسه في مدارس متداعية الجدران وبلا مقاعد ولا كتب، الطالب الذي يجلس في غرفة مظلمة يقرأ على ضوء هاتف محمول قديم، الأم التي توزع رغيف الخبز الوحيد بين أطفالها وتكتفي هي بشربة ماء. هؤلاء هم السودانيين الحقيقيين، الذين لم يفقدوا الأمل رغم كل شيء، والذين ينظرون إلى النضال نظرة مختلفة تماماً عن نظرة المحترفين في السياسة والمال.
بالنسبة لهؤلاء السودانيين، النضال ليس كلمات رنانة في مؤتمر صحفي، ولا شعارات مرسومة على جدران الشوارع، ولا خطابات نارية في ميدان الاعتصام فقط. النضال هو أن تستيقظ كل يوم في الخامسة صباحاً لتمشى كيلومترات بحثاً عن ماء نظيف لأسرة مكونة من سبعة أفراد. النضال هو أن تدخل المستشفى العام فتجد نفسك مضطراً لشراء المحاليل والمضادات الحيوية من الصيدلية الخارجية لأن خزائن المستشفى خاوية. النضال هو أن تنتظر في طابور أمام مخبز لساعات طويلة لعلي أحصل على رغيفين من الخبز المدعوم لأطفالي. النضال هو أن تقف أمام البنك لتصرف راتبك فتكتشف أن الراتب الذي كنت تأمل أن يفي بديونك لا يكفي حتى لتوصيلة المواصلات. هذا النضال اليومي من أجل البقاء، هذا الكفاح المرير من أجل الحياة، هو أصل النضال الحقيقي، وهو الذي يمنح السودانيين القدرة على الصمود في وجه كل الشدائد.
لقد تجسد هذا النضال الشعبي الأصيل في أعظم لحظات التاريخ السوداني الحديث، في ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018م. عندما خرج ملايين السودانيين في شوارع الخرطوم ومدن السودان الأخرى، لم يكونوا يطالبون بزيادة رواتبهم فقط، ولم يكونوا يخرجون من أجل منصب أو سلطة. كانوا يطالبون بشيء أعمق وأسمى: كانوا يطالبون بالكرامة. كرامة الإنسان السوداني الذي أهدرت قيمته لعقود تحت حكم الطغاة والمستبدين. كانوا يطالبون بإنهاء نظام استبدل كرامة المواطن بلقمة عيشه، وسلبه حقه في الحياة الكريمة. ثورة ديسمبر لم تقودها أحزاب، ولم يخطط لها قادة عسكريون، ولم تمولها شركات كبرى. قادها شباب سودانيين لا يملكون شيئاً سوى إيمانهم العميق بأن التغيير ممكن، وبأن النضال السلمي قادر على هزيمة أعتى الأنظمة الديكتاتورية. أولئك الشباب الذين قضوا ستة وثلاثين شهراً من العمر في الاعتصامات والمظاهرات السلمية، وواجهوا الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والاعتقالات التعسفية، لم يكن هدفهم أبداً أن يصبحوا هم الحكام الجدد، بل كان هدفهم أن يعيش السودان الجديد الذي يليق بهم وبأجيالهم القادمة.
هذه الثورة السلمية السودانية قدمت نموذجاً فريداً في العالم للنضال الذي يضع أحلام الشعوب في المقدمة. الشباب الذين قادوا الثورة لم يطلبوا من الشعب أموالاً، بل بذلوا هم ما يملكون من جهد ودماء وأعصاب. لم يسعوا إلى سلطة، بل ظلوا طوال فترة الاعتصام في الخرطوم يرددون شعارهم الأشهر: “تسلم يا مدني”. كانوا يدركون أن النضال ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق حياة أفضل للجميع، وأن تسليم السلطة للمؤسسات المدنية القادرة هو الطريق الوحيد لضمان أن تتحقق أحلام الثورة. حتى عندما قُتل أكثر من مائتين وخمسين شهيداً برصاص قوات النظام الساقط، لم يلجأ الشباب إلى العنف المسلح رغم أن كثيرين كانوا يمتلكون القدرة على ذلك. ظلوا متمسكين بسلمية نضالهم، لأنهم كانوا يعلمون أن العنف سيأتي بسلطة جديدة تشبه القديمة، وأن الدماء التي سالت يجب ألا تذهب هباءً على مذابح الصراع على السلطة.
لكن النضال في السودان لم ينتهِ مع سقوط نظام البشير في أبريل 2019م، بل دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وخطورة. المرحلة التي تلت سقوط الدكتاتور القديم شهدت صراعاً محموماً على السلطة بين القوى المدنية الثائرة والقوى العسكرية التي كانت جزءاً من النظام القديم. بعض القوى العسكرية التي ساعدت في الإطاحة بالبشير تحولت بسرعة إلى عقبة جديدة في طريق التحول الديمقراطي، وبدأت تمارس نفس أساليب النظام السابق من قمع وقتل واعتقال. انقلاب أكتوبر 2021م كان ضربة قوية لآمال السودانيين، وعادت البلاد إلى مربع الاستبداد والانقلابات من جديد. ثم جاءت الحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023م بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتحول السودان إلى ساحة جحيم حقيقي. آلاف القتلى، ملايين النازحين واللاجئين، بنية تحتية مدمرة، اقتصاد منهار، ومجازر مروعة ترتكب بحق المدنيين العزل في دارفور والخرطوم والجزيرة.
وسط هذه الحرب العبثية التي لا هدف فيها سوى الصراع على النفوذ والثروة، يظل الشعب السوداني يقدم النموذج الأصدق للنضال النظيف. في مناطق الهدنة المؤقتة، نرى مبادرات شعبية أهليه لتوزيع المساعدات الغذائية والدوائية، دون انتظار حكومة أو منظمات دولية. في المدن التي مزقتها الحرب، نرى شباباً يخاطرون بحياتهم لإنقاذ جيرانهم تحت القصف. في مخيمات النازحين في بورتسودان وكسلا والقضارف، نرى متطوعين يديرون مراكز إيواء بأبسط الإمكانيات لاستقبال الوافدين الجدد. هؤلاء هم النضال الحقيقي في السودان اليوم: نضال من أجل الحياة، نضال من أجل الإنسان، نضال يضع حلم الشعب في استعادة السلام والأمان وتحقيق دولة مدنية ديمقراطية موحدة في أعلى سلم أولوياته.
ما هي سبل النضال التي يمكن أن تقود السودان إلى بر الأمان بعد هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة؟ الطريق طويل وعر ومليء بالأشواك، لكنه ليس مستحيلاً.
● أولاً، لابد من إعادة تعريف النضال في السودان ليصبح نضالاً من أجل بناء الإنسان السوداني أولاً وقبل أي شيء. هذا يعني أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لإنقاذ الأرواح التي تزهق يومياً في الحرب، ووقف نزيف الدماء عبر ضغط شعبي ودولي لتحقيق وقف إطلاق نار شامل ومستدام. لا يمكن الحديث عن أي نضال سياسي أو اقتصادي في ظل استمرار إطلاق النار وقصف المنازل على رؤوس الأطفال والنساء.
● ثانياً، لابد من إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة مختلفة تماماً عن النموذج القديم. الدولة الجديدة يجب أن تكون دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتضمن الحريات الأساسية، دولة تفصل بين السلطات وتخضع للمساءلة والمحاسبة، دولة توزع الثروة بعدالة وتكافح الفساد بلا هوادة، دولة تحتضن تنوع السودان الثقافي والإثني والديني ولا تحاول فرض رؤية واحدة على الجميع. بناء هذه الدولة يحتاج إلى نضال طويل الأمد، ليس نضالاً بالسلاح بل نضالاً بالفكر والعمل السياسي النظيف، نضالاً بالتعليم والتوعية وبناء القدرات، نضالاً بخلق نخب جديدة مخلصة للوطن لا لأجندات خارجية أو فئوية ضيقة.
● ثالثاً، لابد من تطوير أدوات نضالية سلمية مبتكرة تناسب ظروف السودان المعقدة. النضال السلمي الذي قاد ثورة ديسمبر أثبت جدارته وقدرته على هزيمة الأنظمة المستبدة، لكنه يحتاج إلى تطوير وتنويع لمواجهة التحديات الجديدة. المقاطعة الاقتصادية الشاملة لكيانات النظام القديم، العصيان المدني المنظم، الحملات القانونية لمحاكمة مجرمي الحرب، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الوعي وكشف الانتهاكات، كل هذه أدوات فعالة يمكن توظيفها في المرحلة القادمة. كما أن النضال الدبلوماسي على المستوى الإقليمي والدولي مهم جداً لكشف جرائم الحرب التي ترتكب في السودان، وبناء تحالفات مع قوى السلام والعدالة في العالم، وفرض عقوبات على قادة الميليشيات وأطراف النزاع المتسببين في معاناة الشعب.
● رابعاً، لابد من استعادة ثقة السودانيين في بعضهم البعض. سنوات الحرب والصراع والانقسام تركت جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي السوداني، وحولت الأصدقاء والجيران إلى خصوم. النضال من أجل السودان الجديد يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية، ليست مصالحة فوقية يفرضها الحكام، بل مصالحة شعبية من القاعدة إلى القمة، تبدأ بالحوار في المساجد والكنائس والمدارس والأندية، وتستمر بآليات للعدالة الانتقالية تحقق الانتصاف للضحايا لكن بدون انتقام أو إقصاء. هذا النضال من أجل التئام الجرح الوطني ربما يكون أصعب مراحل النضال ككل، لكنه الأكثر أهمية لضمان عدم عودة السودان إلى دوامة العنف والصراع مجدداً.
● خامساً وأخيراً، لابد من إعادة إحياء حلم الشباب السوداني الذي كاد أن يموت تحت وطأة الحرب والدمار. شباب السودان هم ثروته الحقيقية، وهم الأمل الوحيد لمستقبل أفضل. النضال في هذه المرحلة يجب أن يركز على إنقاذ جيل كامل من الشباب من براثن اليأس والهجرة غير الشرعية والتجنيد في الميليشيات المسلحة. هذا يعني توفير فرص تعليمية وتدريبية بديلة، وخلق فرص عمل ولو بسيطة في مناطق النزوح، وإعادة بناء الملاعب والمراكز الثقافية والشبابية لاستقطاب طاقات الشباب في إبداع وبناء وليس في تدمير وقتال. شباب السودان الذين قادوا ثورة ديسمبر وأضاءوا شعلة الأمل في قلب كل سوداني هم أنفسهم القادرون على قيادة مسيرة النضال القادمة، لكنهم يحتاجون إلى فرصة حقيقية وإلى دعم من كل مخلص يحب هذا البلد.
في الختام، نعود إلى فرضيتنا الأساسية التي بدأنا بها هذا المقال الطويل: نظرة الآخرين إلى النضال كوسيلة للحصول على الثروة والسلطة والمال هي نظرة قاتلة لأي أمة، ونظرة أصحاب النفوس الصغيرة التي لا ترى في الحياة سوى المتاع الزائل. أما نحن، فننظر إلى النضال على أنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق حلم الشعوب الممكنة. السودان الجديد الذي نحلم به ليس حلماً خيالياً، بل حلم ممكن، حلم ولد في قلوب الملايين الذين نزلوا إلى الشوارع وهم يهتفون “حرية سلام عدالة”، حلم دفع ثمنه دماء الشهداء وصبر الجرحى وتعب الأمهات وآلام الثكالى. هذا الحلم سيتحقق ليس لأننا نملك المال أو السلاح أو الحظوظ الدبلوماسية، بل لأننا نملك الإرادة التي لا تلين، والإيمان الراسخ بأن النضال من أجل الكرامة الإنسانية هو أسمى ما يمكن أن يفعله إنسان في هذه الحياة.
✌🏿✌🏿 تحيا السودان حرة أبية، وتحيا ثورة الشعب السوداني المجيدة، وتحيا كل شعوب العالم التي تختار النضال من أجل أحلامها لا من أجل متاع الدنيا الزائل. النصر للإرادة الشعبية، والهزيمة لكل طاغية مستبد، والموت لكل من يحول النضال إلى صفقة رخيصة. إن النضال الذي يبدأ صافياً نظيفاً يجب أن يظل كذلك حتى النهاية، لأن الشعوب التي ضحت بكل غالٍ ونفيس في سبيل حريتها تستحق أكثر من أن يسرق مجهودها من قبل طغاة جدد يركبون موجة النضال ليجمعوا ما لم يجمع أسلافهم من ذهب وجاه وسلطة. الثوار الحقيقيون لا يموتون، حتى لو سقطت أجسادهم في ساحات المعارك، لأن أفكارهم تبقى حية في قلوب الأجيال القادمة، وكلماتهم تتردد في كل زمان ومكان، وأحلامهم تتحقق ولو بعد حين. هذا هو درس النضال الخالد، وهذا هو الطريق الذي نختاره، وهذا هو السودان الذي سنبنيه معاً، بأيدينا ودمائنا وعرق جباهنا، لأننا لا نريد لأنفسنا حياة بلا كرامة، ولا نريد لأبنائنا مستقبلاً بلا حلم. النضال مستمر، والنصر قادم، والفجر على الأبواب.
بتاريخ 15مايو 2026م

مقالات ذات صلة

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x