النفاق السياسي وإعادة إنتاج ثقافة العبودية: معوقات بناء دولة المواطنة المتساوية في السودان

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
لم يعد النفاق في السياق السياسي السوداني مجرد سلوك فردي طارئ أو هفوة أخلاقية يمكن تجاوزها، بل تحول إلى بنية ثقافية وسياسية راسخة، وآلية من آليات الحكم وإدارة الصراع على السلطة والموارد. ففي المشهد السياسي السوداني، منذ ذلك التاريخ المشوه الذي سمي جزافا بالاستقلال وحتى اليوم، نلاحظ ظاهرة مقلقة: النخب السياسية المتعاقبة، سواء تلك التي تسلمت مقاليد الحكم أو تلك التي وقفت في موقع المعارضة، تميزت بقدرة فائقة على توظيف خطاب مزدوج: خطاب ظاهري زاهٍ بالألوان الحقوقية والإنسانية، وخطاب باطني قائم على الولاءات الضيقة القبلية والجهوية والدينية. وهذا الانفصام بين الأقوال والأفعال لم يكن مجرد ازدواجية أخلاقية عابرة، بل أصبح منهجاً متكاملاً في إنتاج السياسة وإعادة إنتاج الهيمنة.
أمام هذه الحالة، يبرز سؤال مركزي ومؤرق: لماذا يظل ما يمكن تسميته بـ”الرق المُغَنّى” أو “الاستعباد المقنّع” أكثر قبولاً ورواجاً في الثقافة السياسية السودانية من الرؤية الثاقبة الجريئة التي تنشد بناء دولة المواطنة المتساوية؟ لماذا يفضل السياسيين والجمهور أحياناً التبعية المريحة والولاء غير المشروط على حساب المساواة الحقيقية والكرامة الإنسانية الكاملة؟ ولماذا تُقابل الدعوات لإعادة هيكلة الدولة على أسس المواطنة المتساوية بالرفض أو السخرية أو التجاهل، في حين تُحتفي الجماهير بالزعماء الذين يمارسون أشد أشكال الهيمنة تحت عباءة الوطنية الزائفة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي أن نغوص في أعماق التاريخ السياسي السوداني، ليس فقط لنفهم كيف تشكلت هذه الثقافة، بل لنفكك أيضاً بنيتها التحتية التي تتكون من طبقات متراكمة من الإرث الاستعماري، والتربية السياسية الاستبدادية، والتبعية الاقتصادية، والخطاب الديني المسيس. فما يبدو للوهلة الأولى تناقضاً أخلاقياً فردياً، هو في الحقيقة نتاج لنظام متكامل من القيم والمؤسسات والمصالح التي تجعل من “النفاق” سلوكاً عقلانياً في سياقه، ومن “الاستعباد” حالة مرغوبة أو على الأقل مقبولة اجتماعياً.
إذا تأملنا مسار السودان منذ ذالك التاريخ المسمي بالاستقلال عام 1956م، سنجد أن الدولة الحديثة لم تُبنَ على عقد اجتماعي حقيقي بين مواطنين متساوين، بل وُرثت كنموذج استعماري إداري أُضيف إليه طبقات من المركزية الحادة وتهميش الأطراف. النخبة التي تسلمت الحكم من المستعمر البريطاني لم تكن تملك رؤية تحررية حقيقية، بل كانت في معظمها نخبة قبلية – دينية – عسكرية ضيقة، رأت في الدولة وسيلة لتثبيت هيمنتها واستمرار نمط الاستغلال الذي أرساه الاستعمار. لذلك، لم يكن غريباً أن يتحول الخطاب الوطني إلى قشرة فارغة، وأن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات في أيدي القبيلة أو الطائفة أو الحزب الواحد.
هنا تبدأ رحلة “الاستعباد المُغَنّى”. فالعبودية السياسية في السودان لم تعد تعني الرق التقليدي الذي أُلغي قانونياً، بل تعني استبطان الفرد والمجتمع لثقافة الخضوع والطاعة العمياء. المواطن السوداني، نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي والتربية السياسية القمعية، تعلم أن الخيارات المتاحة أمامه ليست بين المساواة أو عدمها، بل بين ولاءات مختلفة: إما أن يخضع لهذا الزعيم أو ذاك، لهذه القبيلة أو تلك، لهذا الحزب أو الجيش. الخيار “الثالث” – أي خيار المواطنة المتساوية والخروج من دائرة التبعية – لم يُطرح أبداً كخيار حقيقي في الخطاب السياسي السائد. وعندما حاول بعض المثقفين والتيارات المدنية طرحه، قوبل بحملات تجنيد واسعة تتهمهم بالعلمانية المروعة، أو بالتبعية للغرب، أو بقطع صلة المجتمع بجذوره التاريخية والدينية.
ما يجعل “الرق المُغَنّى” أكثر قبولاً هو هذه الآليات الرمزية التي تلبسه ثوباً فضفاضاً من المشروعية. فالزعيم القبلي أو العسكري لا يمارس سلطته كسيد على عبيد، بل يقدمها كـ”رعاية أبوية” و”كرم أصيل” و”حكمة تقليدية”. التابع لا يُنعت بالمملوك، بل بـ”الابن البار” أو “المناصر المخلص” أو “الجندي المجهول”. العلاقة الهرمية غير المتكافئة تُترجم إلى لغة عاطفية وأخلاقية تبرر التضحية بالحقوق الفردية والجماعية من أجل “الاستقرار” أو “الوحدة الوطنية” أو “الهوية”. في هذا السياق، يصبح النفاق السياسي ضرورياً: الحاكم يعد بالعدالة والديمقراطية وهو يمارس القمع والتفرد بالثروة، والمحكوم يرفع شعارات التغيير وهو ينتظر المنحة أو المنصب من نفس الحاكم.
ولكي ندرك عمق هذه الظاهرة، علينا أن ننظر إلى تجربة النظام الإسلامي الذي حكم السودان بزعامة عمر البشير منذ عام 1989م ومهندسه الترابي وغيرها من الاسلامين وواجهاتهم المختلفة. ذلك النظام لم يكن مجرد ديكتاتورية عسكرية تقليدية، بل كان محاولة متكاملة لإعادة إنتاج العبودية الحديثة تحت عباءة الدين والمشروع الحضاري المزعوم. النظام استخدم الخطاب الإسلامي ببراعة ليشرعن القمع، ويبرر تهميش المناطق غير المسلمة أو غير العربية، ويخلق طبقة جديدة من التابعين الذين آمنوا بأن الطاعة للحاكم المسلم واجب ديني، وأن المطالبة بالحقوق فيها مساس بقدر الله ونظامه. هنا تجلى “الاستعباد المُغَنّى” بأبهى صوره: الناس يقبلون أن تُسحق حرياتهم، وتُنهب ثرواتهم، وتُستباح كرامتهم، وهم يرددون شعارات دينية ووطنية، ويعتقدون أنهم يعيشون في “خلافة” أو “مشروع نهضوي”. هذا النوع من الاستعباد هو الأخطر، لأنه لا يحتاج إلى أغلال حديدية ولا جيوش قمع دائمة، بل يحتاج فقط إلى خطاب ناجح يزرع في النفوس القناعة بأن الوضع القائم هو الطبيعي والأخلاقي والإلهي.
في المقابل، الرؤية الثاقبة التي تنشد بناء دولة المواطنة المتساوية هي الرؤية التي تواجه هذا البناء الهرمي برمته. دولة المواطنة المتساوية لا تقوم على ولاءات خاصة، بل على عقد اجتماعي واضح ينص على أن جميع السودانيين متساوون أمام القانون بغض النظر عن أصولهم العرقية أو الجهوية أو الدينية أو الجندرية. وهي دولة لا تعترف بأي فئة لها امتيازات وراثية، ولا تعترف بأي تبعية غير اختيارية. هذه الرؤية تتطلب أن يتخلى الجميع عن مكاسبهم غير المشروعة: الزعيم القبلي يتخلى عن سلطته المطلقة على أفراد قبيلته، الحزب الحاكم يتخلى عن احتكاره للثروة والقرار، الجيش يتخلى عن تدخله في السياسة، والنخب الجهوية تتخلى عن منطق “أبناء المنطقة أولاً”. هذا الطلب كبير، بل ثوري، ولذلك هو الأكثر إزعاجاً لمن اعتادوا على موقع السيد أو نائب السيد.
لماذا إذن يظل هذا البديل العادل والثاقب “أقل قبولاً”؟ هناك عدة أسباب مترابطة.
● أولها: أنه يتطلب تغييراً جذرياً في الثقافة السياسية السودانية التي اعتادت على علاقات الخضوع والهيمنة. تغيير هذه الثقافة لا يتم بمراسيم أو قوانين، بل يحتاج إلى زمن طويل وإلى إصلاح تعليمي وإعلامي شامل.
● ثانيها: أن القوى المستفيدة من الوضع الراهن، وهي كثيرة ومتنوعة، ستعمل بكل قوتها لمنع هذا التحول، باستخدام كل وسائل الترهيب والترغيب.
● ثالثها: أن المجتمع السوداني نفسه، نتيجة التشوهات التاريخية، يعاني من انقسامات حادة تجعل من الصعب الاتفاق على تعريف واحد للمواطنة المتساوية. هناك من يفهمها على أنها إلغاء للهويات الفرعية، وهناك من يفهمها على أنها تهديد لدور الدين في الدولة، وهناك من يستخدمها كشعار فارغ لتحقيق مصالح خاصة.
النفاق السياسي هو الآلية التي تسمح لهذه التناقضات بالاستمرار دون انفجار. فبدلاً من المواجهة العلنية بين مشروع المواطنة المتساوية ومشاريع الهيمنة التقليدية، نجد أن الجميع يتبنى خطاب المواطنة ظاهرياً، بينما يعمل ضده باطنياً. السياسي السوداني الناجح هو الذي يستطيع أن يقول كلاماً جميلاً عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في الندوات والمؤتمرات الإعلامية، بينما يوزع المناصب والخدمات على أبناء قبيلته وجهته في الخفاء. والناشط المدني الناجح هو الذي يندد بالفساد علناً، لكنه لا يتردد في قبول رشوة أو منصب من نفس النظام الذي ينتقده بمجرد أن تتاح له الفرصة. هذه الازدواجية ليست مجرد ضعف أخلاقي فردي، بل هي ثمرة بيئة سياسية تجعل الصدق مكلفاً والنفاق رخيصاً.
في هذا السياق، يصبح “الاستعباد المُغَنّى” هو الخيار العقلاني لمن يريد البقاء في اللعبة السياسية. لأن المطالبة الجادة والصادقة بالمواطنة المتساوية ستعرض صاحبها للسخرية أولاً، ثم للتهميش ثانياً، ثم للقمع ثالثاً. أما النفاق والتكيف مع ثقافة التبعية، فيضمنان بقاءً آمناً نسبياً، ووصولاً إلى بعض المكاسب الصغيرة، وتجنباً لخطر الاصطدام بالسلطة. هذه المعادلة هي التي تشرح لماذا يفضل كثير من السودانيين، حتى المثقفين منهم، السير في ركاب “السادة الجدد” بدلاً من خوض معركة شاقة لتحقيق المساواة الحقيقية.
التاريخ السوداني الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد هذه القاعدة. خذ مثلاً تجربة الثورة السودانية المجيدة في ديسمبر 2018م التي أطاحت بنظام البشير. تلك الثورة كانت، في جوهرها، انتفاضة ضد أشكال الاستعباد الحديث: الفقر والظلم والتهميش وانعدام الكرامة. الجماهير التي نزلت إلى الشوارع رفعت شعارات واضحة: “حرية، سلام، عدالة”. هذا الشعار الثلاثي هو ترجمة مختصرة لدولة المواطنة المتساوية. وللمرة الأولى في تاريخ السودان، بدا أن الرؤية الثاقبة أصبحت أكثر قبولاً من النفاق والتبعية. لكن ما حدث لاحقاً هو العودة إلى المربع الأول تقريباً. فبعد سقوط الديكتاتور، عادت النخب السياسية القديمة – والأمر نفسه ينطبق على القوى المدنية التي قادت الثورة – لتتنازع على الغنائم والمناصب وفق المنطق القديم نفسه: المحاصصة القبلية والجهوية، وتوزيع المقاعد والوزارات على أساس الولاءات الضيقة، واستبعاد من لا ينتمي إلى هذا التيار أو ذاك. الثوار الذين ضحوا بأرواحهم وجدوا أن الثورة “سُرقت” بنفس آليات النفاق والاستعباد التي قاموا ضدها.
هذا المشهد المؤلم يثبت أن إسقاط نظام استبدادي أسهل بكثير من إسقاط ثقافة سياسية استبدادية متراكمة منذ عقود. لقد خرج السودانيين ليهتفوا “يسقط حكم البشير” لكنهم لم يخرجوا ليسقطوا ثقافة العبودية والنفاق التي جعلت حكم البشير ممكناً. ولذلك، عادت الأمور إلى نصابها القديم، وإن كان بأشكال جديدة. تحولت اللجان الثورية إلى جماعات نفوذ، وتحولت شعارات الثورة إلى أدوات للمزايدة السياسية، وعاد النفاق ليطل برأسه من جديد: قادة سابقون في نظام البشير يتبنون الآن خطاباً ثورياً زائفاً، وقوى مدنية كانت تنادي بالمواطنة تتحول إلى أحزاب طائفية وجهوية.
إذا كنا نبحث عن مخرج من هذه الدوامة، فلا بد من الاعتراف بأن حل المشكلة ليس في تغيير الأشخاص أو حتى الأنظمة، بل في تفكيك البنية الثقافية والاقتصادية التي تنتج النفاق السياسي وتعيد إنتاج العبودية المقنعة. هذا يتطلب :
● أولاً: إصلاحاً جذرياً في التعليم السوداني، بحيث يخرج من دائرة التلقين والطاعة إلى فضاء النقد والتفكير المستقل.
● ثانياً: بناء اقتصاد منتج وعادل يقلل من التبعية الفردية والعائلية للحكومة وللزعماء التقليديين، لأن الجوع والفقر هما الخلفية الأهم لقبول أي شكل من أشكال الاستعباد.
● ثالثاً: مراجعة نقدية للتراث الديني والسياسي الذي يقدس الطاعة ويقدس القائد ويحرم الخروج على الوصاية. هذه المراجعة لن تكون سهلة، وقد تواجه اتهامات بالزندقة أو الخيانة، لكنها ضرورية لتحرير العقول قبل تحرير المؤسسات.
● رابعاً: بناء حركة مجتمع مدني قوية ومستقلة، لا تكتفي بالشجب والاستنكار، بل تقدم نماذج عملية للعمل الجماعي القائم على المساواة والشفافية والمحاسبة. لقد أثبتت التجارب العالمية أن التغيير الثقافي لا يأتي من الأعلى بل من الأسفل، من خلال تراكم تجارب صغيرة ناجحة تثبت أن بديلاً آخر ممكناً، وأن العيش بدون سيد وبدون عبد ليس حلماً، بل واقع يمكن تحقيقه بالصبر والعمل المتواصل.
● خامساً وأخيراً: يتطلب الأمر قيادات سياسية جديدة، ليست من رحم النفاق والتبعية، بل من رحم الصدق والمخاطرة. قيادات لا تعد الجماهير بالجنة وهي تبني لهم جحيم التبعية، بل تقول لهم الحقيقة كما هي: بناء دولة المواطنة المتساوية عملية شاقة وطويلة ومؤلمة، تتطلب تضحيات حقيقية وإعادة توزيع للسلطة والثروة، لكنها في النهاية الطريق الوحيد لكرامة حقيقية لا تُمنح ولا تُستجدى، بل تُنتزع بإرادة جماعية واعية.
في الختام، يبقى السؤال مفتوحاً على إجابات متعددة: هل سيواصل السودان رحلته المعذبة بين نفاق السياسيين واستعباد القادة وتغني الجماهير بتبعيتها؟ أم سيأتي يوم تجد فيه الرؤية الثاقبة لدولة المواطنة المتساوية أرضاً خصبة في قلوب وعقول السودانيين؟ الجواب ليس قدراً محتوماً، بل نتاج صراع إرادات: إرادة من يريدون استمرار الهيمنة والتبعية، مقابل إرادة من يرون في المساواة والحرية قيمة عليا لا تقبل المساومة. وإلى أن يحسم هذا الصراع لصالح الرؤية الثاقبة، سيظل النفاق هو لعبة السياسة الكبرى في السودان، وسيظل “الرق المُغَنّى” أكثر قبولاً من بناء دولة حقيقية للمواطنين الأحرار المتساوين. وهذا هو الدرس الأقسى الذي يحتاج كل سوداني أن يستوعبه بعمق، قبل أن يرفع أي شعار أو ينخرط في أي عمل سياسي: لا خلاص بدون تحرير العقل من ثقافة التبعية، ولا دولة مواطنة بدون كسر هيكل النفاق الذي يحمي هيكل الاستعباد.
بتاريخ 23مايو2026م



