مقالات الرأي

الهجرة السودانية.. الوجه الآخر لفشل بناء الدولة


بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
لم تعد الهجرة الجماعية للسودانيين مجرد نتيجة للحرب الدائرة اليوم، بل أصبحت الوجه الآخر لتعثر مشروع بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال. فما يعيشه السودان اليوم ليس أزمة عابرة، وإنما حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية ومؤسسية امتدت لعقود، وأضعفت قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
عندما نال السودان استقلاله في الأول من يناير عام 1956، كان الأمل معقودًا على تأسيس دولة حديثة تقوم على سيادة القانون، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية، وترسيخ المواطنة المتساوية. غير أن هذا المشروع الوطني تعثر منذ بداياته، إذ دخلت البلاد في دوامة من الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية والحروب الداخلية، فأصبح الصراع على السلطة يتقدم على مشروع بناء الدولة، بينما تراجعت أولويات التنمية والإصلاح المؤسسي.
وعلى امتداد سبعة عقود، أخفقت النخب السياسية والعسكرية في التوافق على مشروع وطني جامع يؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون. وبدلًا من توظيف الموارد البشرية والطبيعية التي يزخر بها السودان لبناء اقتصاد منتج ومؤسسات فاعلة، تراكمت الأزمات، واتسعت الفجوة التنموية بين المركز والأقاليم، وتراجعت الخدمات الأساسية، وضعفت مؤسسات الدولة، وتكررت الأزمات الاقتصادية، حتى فقد كثير من السودانيين ثقتهم في قدرة الدولة على حماية مصالحهم وتحقيق تطلعاتهم.
ثم جاءت الحرب الأخيرة لتكشف حجم الأزمة التي كانت تتراكم عبر السنوات، فتراجعت قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها في مناطق واسعة، ونزح ولجأ ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، وأصبحت الهجرة بالنسبة لكثيرين وسيلة للنجاة، بعد أن كانت في نظر آخرين طريقًا لتحسين مستوى المعيشة.
لقد انتقل السودان من أزمة حكم إلى أزمة دولة، ثم إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة. فلم يعد السؤال الأساسي هو: من يحكم؟ بل كيف يمكن بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، وترسيخ سيادة القانون، وتوفير الأمن والخدمات، وخلق فرص العمل، وصون كرامة الإنسان.
وعندما يغادر آلاف الشباب وطنهم، فإنهم لا يهربون من الأرض التي ولدوا عليها، بل من واقع لم يعد يمنحهم الثقة في المستقبل. فالهجرة، في كثير من الحالات، ليست رفضًا للوطن، وإنما تعبير عن تراجع الثقة في مؤسسات الدولة، وفي قدرتها على توفير الحد الأدنى من الأمن، والاستقرار، والعدالة، والفرص.
إن الأزمة السودانية ليست نتاج الحرب وحدها، ولا نتيجة أزمة اقتصادية طارئة، بل هي حصيلة تراكمات تاريخية رافقت الدولة منذ الاستقلال، وتعززت بفعل غياب الاستقرار السياسي، وتكرار الانقلابات، واستمرار النزاعات المسلحة، وضعف المؤسسات، وسوء الإدارة، وتأجيل الإصلاحات الوطنية.
ولذلك، فإن معالجة الهجرة لا تبدأ بإغلاق الحدود أو الاكتفاء بالإجراءات الأمنية، وإنما تبدأ بإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والتنمية المتوازنة، والعدالة في توزيع الفرص والثروة، حتى يستعيد المواطن ثقته في وطنه، ويصبح البقاء فيه خيارًا، لا الهجرة منه ضرورة.
فالهجرة السودانية ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي مرآة تعكس عمق أزمة الدولة، ودليل على أن قوة الأوطان لا تُقاس بوفرة مواردها، وإنما بقدرتها على بناء دولة تمنح مواطنيها الأمن، والعدالة، والكرامة، والأمل في المستقبل.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x