الوجوه الغريبة بين القانون وتصفية حسابات

بقلم: الغالي إبراهيم سليمان (إنكيتو)
يشهد السودان مرحلة غير مسبوقة من انهيار المؤسسة القضائة، حيث باتت أجهزة القضاء التي يفترض أن تقف محايدة قد انغرست في صراع الحرب الدائر بين السلطة الصفوية والدعم السريع ، وأصبحت جزءاً من منظومةعسكرية-سياسية متشابكة. وفي قلب هذا الانهيار يبرز القضاء السوداني كأحد أكبر تدخلا” بالنظام السياسي والعسكري، بعدما تحول من مؤسسة للفصل في النزاعات إلى أداة توظَّف لقمع المدنيين وإضفاء غطاء قانوني على ممارسات غير قانونية.الدولة تحولت إلى مليشيات… والقضاء يتحول إلى ذراع قمع
المشهد اليوم لا يتعلق بالحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع كما يُتداول أحياناً، بل إن الصورة أشد فتاكة: أجهزة الدولة نفسها تحولت إلى مليشيات تخوض الحرب، وتستغل نفوذها لتمرير إجراءات تعسفية عبر القضاء.
في ظل هذا التشابك، لم يعد هناك جهاز دولة مستقل يمكن التعويل عليه، بل بنية كاملة أصبحت طرفاً مباشراً ممارسة الانتهاكات ، وهو ما أفقد القضاء مكانته بوصفه مؤسسة محايدة.قوانين على أساس عرقي ، وملاحقات لإنتزاع الهوية السودانية . في هذا السياق، برزت تشريعات وإجراءات قمعية تستهدف مجموعات بعينها، من بينها ما يُعرف بـ”قانون الوجوه الغريبة”، الذي يقوم على الاشتباه بالانتماء العرقي، ويمنح السلطات حق التحقيق والمحاكمة دون مسوغ قانوني حقيقي. هذه القوانين لا تحمي المجتمع كما يُروَّج لها، بل تُستخدم لتصفية حسابات، أو لإقصاء مجموعات اجتماعية كاملة، وتُعد نموذجاً واضحاً على استخدام القانون لأغراض سياسية عنصرية.
ورغم هذا الانحراف الخطير في أداء مؤسسات القضاء، فإن الانتهاكات لا تقتصر على طرف واحد. فالمشهد السوداني يؤكد أن الطرفين المتحاربين يمارسان انتهاكات واسعة ضد المدنيين، تشمل القتل بطريقة بشعة ، وتشريد ، واغتصاب ، والاعتقال العشوائي ، ونهب الممتلكات ، وتدمير المؤسسات الخدمية.في ظل غياب قضاء مستقل، يصبح المدنيون الحلقة الأضعف، ولم يعد أمامهم سوى مواجهة آلة قمع مزدوجة: سلطة تستخدم القضاء، وأطراف مسلحة تستخدم القوة.
قد يبدو الحديث عن استقلال القضاء رفاهية في زمن الحرب، لكن هذا الاستقلال هو خط الدفاع الأخير عن أي دولة ترغب في الاستمرار. ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن القضاء السوداني فقد حياده تحت ضغط الأجهزة التي استولت عليه وحولته إلى منصة تُشرعن الممارسات القمعية.تحويل القضاء إلى سلاح سياسي وعسكري ينسف مبدأ دولة القانون، ويجعل العدالة ضحية أخرى في ساحة الصراع.
ما الذي يحتاجه السودان اليوم؟
من منظور تحليلي، لا يمكن إعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي إلا عبر:
_ تفكيك كل الأجهزة الامنية ومليشياتها وإعادة بناء من جديد
- إعادة بناء القضاء خارج تأثير النظام السياسي.
_ سيادة حكم القانون والمواطنة المتساوية.
_ فتح تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات، دون استثناء أي طرف
محاكمات دولية ومحلية لكل الذين ارتكبوا الجرائم في حق الشعب السوداني . حماية المدنيين بآليات وطنية ودولية تضمن محاسبة الجناة .
دون ذلك، ستظل الدولة رهينة للصراع، وسيبقى القضاء منغمساً في حرب عبثية لا علاقة لها بالقوانين.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس مجرد انتهاكات في ساحة المعركة، بل سقوط آخر حصون الدولة.
وعندما تصبح مؤسسات العدالة جزءاً من آلة الحرب، يفقد المواطن حقه، ويفقد الوطن مستقبله.
السودان يحتاج قبل أي شيء إلى حوار سوداني سوداني يناقش جذور الأزمة التاريخية ومعالجتها من جذورها مع تأسيس نظام قضائي مستقل، لأن العدالة ليست محازاة… بل هي شرط البقاء .



