الوطنية ليست شعارات تُرفع في الساحات… بل مشروع مواطنة تُبنى به الأوطان

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
الوطنية ليست تلك الأهازيج التي تملأ الساحات العامة عند الحاجة، وليست الأعلام المرفوعة في لحظات الاستنفار والتهليل والتعبئة. ليست جُملة تُردد في مكبرات الصوت كلما أرادت السلطة أن تجرّ الشباب إلى حرب لا يفهمون أسبابها ولا يرون نهايتها. الوطنية ليست تلك اللحظة التي يلتقط فيها القادة صورة أمام الجماهير ثم ينسحبون إلى كواليس الصفقات بينما يبقى المواطن وحيداً أمام الجوع والخوف والموت. الوطنية فعلٌ أخلاقي مستمر، التزامٌ تجاه الإنسان قبل الأرض، ومسؤولية تجاه المواطن قبل السلطة. الوطنية ليست أن تؤمن بالتراب، بل أن تؤمن بمن يمشي فوق التراب. كما قال توماس سانكارا: “لا يمكن أن نحب الوطن بالكلمات، بل بالأفعال التي ترفع كرامة شعبه.”
وفي السودان، يُراد للوطنية أن تتحول إلى عصا تُضرب بها الرقاب، وإلى بوابة لابتلاع الناس في أتون حرب عبثية تشعلها الأطماع لا المبادئ. كل طرف يرفع راية الوطن، لكن الوطن يغرق. كل طرف يدّعي حماية الشعب، لكن الشعب يموت جوعاً، قهراً، وبرصاص لا يعرف سوى أن جسد الفقراء هو الأكثر سهولة للاختراق. الوطنية تصبح وهماً عندما ترتبط بالولاء للجنرالات لا للعدالة، حين يُطلب من الشباب الموت بينما كبار القوم يحصون الأرباح والغنائم. حين يُختزل الوطن في شخص، أو قبيلة، أو مليشيا، تتحول الوطنية إلى سجن، وتصبح راية الوطن غطاءً لارتكاب الجرائم. الوطنية ليست “الاستنفار العام” الذي يدعو إليه من خان الشعب حين كان بوسعه إنقاذه، ولا “النفير” الذي يُطلب من الفقراء بينما الأغنياء يهربون. الوطنية ليست أن تُهلك نفسك في حرب من أجل كرسي في الخرطوم أو نفوذ في دارفور أو مكسب في ميناء أو منجم ذهب. الوطنية هي أن تقف أمام المجرمين وتقول: توقفوا عن قتل الوطن.
وهنا، تبدأ فكرة المواطنة بوصفها الأساس الحقيقي للوطنية، وليس العكس. الوطن ليس شيئاً فوق الإنسان، بل الإنسان فوق الوطن. الوطن بدون إنسان لا قيمة له، أرض بلا عدالة تصبح سجناً كبيراً، والدولة بلا مواطنة تتحول إلى غابة. هذه هي النقطة التي شكلت جوهر الرؤية التي طرحتها حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور: أن الوطنية تبدأ من الإنسان، لا من السلطة. وأن الوطن لا يبنى إلا بالمواطنة المتساوية. “نحن لا نقاتل ليحكم أحد، نحن نقاتل ليُحترم المواطن.” — كما قال عبدالواحد. هذه الجملة تختصر الفرق بين من يريد وطناً ومن يريد سلطة. فالرؤية التي تطرحها الحركة ليست بحثاً عن كراسي ولا تفويضاً لحكم، بل عقد اجتماعي جديد: وطن تتساوى فيه القيم الإنسانية قبل الولاءات، وطن لا يميز بين من ولد في جبل مرة أو في أم درمان أو على ضفاف النيل، وطن لا يتعامل مع الإنسان بشفرات الدم والقبيلة والانتماء الجغرافي.
الوطنية ليست أن تهتف “نموت ويحيا الوطن”، بل أن تقول “نعيش ويكبر الوطن بنا”. فالوطن لا يحيا بجثث أبنائه، بل يحيا بحياتهم. الوطنية أن تبني، لا أن تدمر. أن تحمي، لا أن تقتل. أن تعالج جرح الوطن، لا أن توسّع الجرح. الوطنية ليست أن ترفع عالياً في الساحة علم السودان بينما مدينة بأكملها تُقصف، وأسرة تُهجّر، وطفل يبحث عن لقمة أو دواء في معسكر نزوح. الوطنية ليست أن تضع يدك على قلبك تستمع للنشيد الوطني بينما يدك الثانية توقّع على بيع أرض أو مورد أو سيادة. الوطنية ليست أن تتهم من يرفض الحرب بالخيانة. الوطنية أن تملك شجاعة الرفض حين يصمت الجميع ويركعون أمام السلاح.
انظر إلى السودان اليوم: الملايين في النزوح، المدن تتهاوى، الفاشر تحترق، نيالا تبكي، الجنينة تُباد، الخرطوم تتحول إلى ذاكرة. الناس يعيشون في العراء، الخيام، وتحت المطر، بينما قادة الحرب يتبادلون التصريحات في الفنادق. الوطنية الحقيقية هي تلك المرأة التي تتقاسم آخر لقمة في معسكر زمزم مع ثلاثة أطفال مجهولي الأب، وهي ذلك الشاب الذي رفض أن ينضم لصفوف الحرب وقال بصوت ثابت: “لن أقتل من يشبهني.” الوطنية هي أن ترى في كل طفل سوداني ابنك، وفي كل مشرد أخاك، وفي كل نازح صورة وطنك. كما قال أحد شباب اعتصام القيادة العامة في ٢٠١٩: “الوطن ليس تمثالاً… الوطن هو نحن.”
لكن دعنا نذهب أعمق: لماذا تتحول الوطنية في السودان إلى شعار بينما تُدفن روح الوطن تحت الأنقاض؟
لأن الدولة نفسها لم تُبنَ على المواطنة. منذ الاستقلال، وُضع الشعب في أسفل الهرم، ووُضعت السلطة فوقه. رُفعت الرايات وتم إخفاء الإنسان. استُخدمت القبيلة كوقود، والدين كغطاء، والجيش كوسيلة للوصول إلى الحكم. لم تكن الحرب يوماً لأجل الوطن. كانت دائماً لأجل السلطة. وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: الوطن ينزف، والسلطة تتوارث.
هنا يأتي طرح حركة/جيش تحرير السودان، وهي الحركة الوحيدة التي تقول بوضوح إن بناء الدولة يبدأ بإنهاء التمييز وإعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والوطن. رؤيتها لا تتحدث عن تغيير السلطة، بل عن تغيير شكل الدولة. دولة فيها:
المواطن أولاً. القانون فوق الجميع. الموارد ملكٌ للشعب. ولا امتياز لقبيلة أو حزب أو جنرال.
كما ذكر القائد عبدالواحد في إحدى خطبه: “إذا لم نُنهِ التمييز، ستولد الحروب جيلاً بعد جيل.”
ومن هنا، تصبح المواطنة المتساوية ليست فكرة سياسية، بل خلاصاً روحياً لوطن فقد بوصلته. المواطنة المتساوية هي الحصانة الوحيدة ضد عودة الحرب، ضد عودة الدكتاتورية، ضد استنساخ المليشيات. بدونها سنظل ندور في النسخة نفسها: جنرال جديد، حرب جديدة، ضحية جديدة، وطن يزداد نزيفاً. المواطنة المتساوية هي الوطنية في أعلى درجاتها، لأنها تعطي قيمة لكل مواطن، لا لبعض المواطنين. لأنها تعني أن السودان ليس ملكاً للعسكر، ولا للقبيلة، ولا للنخبة، بل ملكٌ للشعب.
كما قال مانديلا: “حب الوطن لا يعني أن تكره الآخرين بل أن تسعى للعدالة للجميع.”
إن رفع علم السودان لا يجعل من أحدٍ وطنياً. الذي يجعل الإنسان وطنياً هو أن يضمن ألا يُدفن طفلٌ تحت العلم نفسه. الوطن لا يحيا بالأناشيد. الوطن يحيا بالعدالة. الوطن لا يُرفع بالأعلام. الوطن يُرفع بالمواطنة. الوطن ليس أن تموت من أجله. الوطن أن تعيش لأجله. أن يعيش الجميع لأجله.
بتاريخ: 12 سبتمبر2025م


