الوعي الثوري لواجهة الطغاة

بقلم: الغالي ابراهيم سليمان
لم تنشأ حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الرفيق عبدالواحد محمد احمد النور من فراغ، ولم تكن مغامرة عسكرية أو ردّة فعل آنية، بل جاءت كتجسيد حيّ لظلم تاريخي متراكم، وصرخة وعي في وجه دولة سودانية بُنيت منذ تسليم المستعمر السلطة للصفوة على القهر والتمييز والإقصاء. دولة احتكرت السلطةوالثروة، وفرضت هوية أحادية قسرية، وحوّلت التنوع السوداني من مصدر غنى إلى سبب دائم للحروب.قامت حركة/جيش تحرير السودان كحركة ثورية قومية لمواجهة منظومة الظلم البنيوي الذي مارسته نخب التنظيمات الصفوة، وخصوصًا بعد سيطرة الحركة الإسلامية على الدولة وتحويلها إلى جهاز أيديولوجي قمعي، يُدار بالعنف، ويُعاد إنتاجه بالحروب. كان الكفاح المسلح للحركة خيارًا فرضه انسداد الأفق السياسي، وانعدام العدالة، وغياب أي إمكانية حلول من داخل منظومة فاسدة لا تعترف إلا بالقوة. ومنذانطلاقتها ، رفعت الحركة مشروعًا واضحًا يستند إلى القيم الإنسانية النبيلة: كرامة الإنسان، والمساواة، والعدالة، ورفض كل أشكال التمييز العرقي والديني والثقافي. فهي لم تقاتل من أجل سلطة أو امتيازات، بل من أجل تفكيك دولة الاستبداد، وبناء دولة القانون، حيث يخضع الحاكم والمحكوم لذات المعايير، وتسقط ثقافة الإفلات من العقاب التي شكّلت جوهر الدولة السودانية الحديثة.
إن رؤية حركة/جيش تحرير السودان لإقامة دولة علمانية فيدرالية ليبرالية ديمقراطية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية. فالعلمانية، في جوهرها، هي القطيعة مع توظيف الدين في السياسة، ومع تحويل المقدس إلى أداة للقتل والتكفير والتعبئة الزائفة. وهي الضامن الوحيد لحرية الاعتقاد، ولمساواة المواطنين أمام الدولة، مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم. أما الفيدرالية، فهي الرد العملي على مركزية المجموعات الصفوية التي دمّرت الأقاليم، وأفقرت الريف، وأشعلت الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وأخيرا في ١٥ إبريل ٢٠٢٣م شملت كل السودان ، وفي هذا السياق، لا يمكن فهم حرب 15 أبريل 2023م بمعزل عن هذا التاريخ الطويل من فشل بناء دولة حقيقية. فهذه الحرب لم تكن صراعًا بين الجيش والدعم السريع ، بل انفجارًا داخليًا داخل منظومة الحركة الإسلامية نفسها، بين أجنحة مسلّحة نشأت وترعرعت في ظل دولة المليشيات. إنها حرب السلطة ، ونتاج طبيعي لتراكم الأزمات،وتسييس المؤسسة العسكرية، وتحويل الدولة إلى غنيمة.
لقد كشفت حرب 15 أبريل 2023م الحقيقة العارية: أن الدولة التي حاربت الشرفاء لعقود قد انهارت من الداخل، وأن العنف الذي وُجّه طويلًا نحو الأطراف عاد ليحرق المركز. وبذلك تؤكد صحة أطروحات حركة/جيش تحرير السودان التي حذّرت مبكرًا من أن استمرار الظلم، وغياب العدالة، ورفض بناء دولة المواطنة، سيقود حتمًا إلى انهيار شامل، لا يستثني أحدًا.وتؤمن بأن السلام الحقيقي لا يولد من رحم التسويات الهشّة، ولا من اتفاقات النخب المعزولة عن الجماهير، بل من معالجة جذور الأزمة السودانية: الاعتراف بالجرائم، ومحاسبة كل من ارتكب الجرم في حق الشعوب السودانية ، وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة. سلام يقوم على المصالحة بين الشعوب السودانية، لا على إعادة تدوير ذات النخب التي صنعت الحروب.
إن مشروع حركة/جيش تحرير السودان هو مشروع سودان الحرية، والسلام، والعدالة. سودان الدولة المدنية الديمقراطية، لا دولة العسكر والمليشيات. وسودان المواطنة المتساوية، لا دولة الامتيازات والوصاية. ورغم قسوة الطريق وطول التضحيات، تظل الحركة تعبيرًا عن إرادة تاريخية لا تنكسر، وعن ثورة وعي مستمرة حتى اقتلاع جذور الظلم، وبناء وطن يسع الجميع بلا استثناء.


