انتصارات أفريقيا وخيانات الخرطوم: لماذا يأكل القادة شبابَ السودان؟

بقلم: أ/عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور )
بينما كانت شعوب القارة الأفريقية تخلع جلاديها واحداً تلو الآخر، وتكتب فصولاً من التحرر من العبودية الصفوة واعلان الحياة الكريمة، كانت الخرطوم تتحول إلى ساحةٍ لصراعٍ نخبوي مقيت(الصفوة)، لا يختلف عن صراعات القرون الوسطى إلا في حجم القنابل التي تسقط على رؤوس الأبرياء. في جنوب أفريقيا، صنع مانديلا معجزة المصالحة، وفي تونس، أدار بن علي ظهره للشعب فلم يجد من يدافع عنه، وفي إثيوبيا، انتفض الشباب وأسقطوا حكماً استبدادياً بعيداً عن المحسوبيات القبلية. أما في السودان، فالأمر مختلف تماماً؛ فثورتنا لم تُقتل على يد عدو خارجي، ولا على يد مؤامرة دولية كبرى، بل قتلها أبناؤها الذين تسلموا رايتها، أو بالأحرى قتلها “أشباه الثوار” الذين ركبوا موجتها ماخرا ليأكلوا من فتاتها، بينما شبابها الحقيقيين يُؤكل في جحيم حرب لا وطنية فيها ولا شرف، بل مصالح ضيقة وأجندات خارجية وصراع على كرسي لم يجلس عليه أحد بعد. إن السؤال الذي يحرق الوجدان اليوم ليس فقط “لماذا فشلت المعارضة؟”، بل الأكثر إيلاماً: كيف استطاع هؤلاء القادة أن يحوّلوا أعظم ثورة في تاريخ السودان إلى مذبحةٍ مفتوحة، بينما القارة من حولنا تمضي قدماً في دروسها التي لم نتعلم منها شيئاً؟
لنكن صريحين مع أنفسنا ولنقل الحقيقة كما هي، فإن المعارضة العسكرية التي تمثلت في انشقاق جزء من الجيش وتشكيل قوات الدعم السريع، لم تكن يوماً معارضة بالمعنى السياسي أو الوطني للكلمة، بل كانت ولا تزال امتداداً طبيعياً للنظام السابق الذي ظل يحكم السودان لعقود طويلة، هؤلاء الرجال الذين يحملون السلاح اليوم ويتحدثون باسم الشعب لم يكونوا سوى أدوات تنفيذية في آلة القمع القديمة، شاركوا في إخضاع المواطنين، وأداروا مؤسسات أمنية تختطف وتعتقل وتختصب وتشرد، وتولوا مناصب حساسة ضمن هرم السلطة الفاسدة، ثم إذا بهم اليوم يتنافسون على من يستطيع أن يبكي على السودان بأعلى صوت، بينما الحقيقة أنهم لم يبكوا إلا على حصتهم من الكعكة التي انهارت تحت أقدامهم. الجيش بقيادته الحالية وقوات الدعم السريع بقيادته، كلاهما حصاد نظام البشير، كلاهما نبت من بذور الفساد والاستبداد، وكلاهما ورث نهجاً في الحكم لا يعترف بالمواطن إلا كرقم أو كهدف أو كورقة تستخدم ثم تُرمى، فكيف يمكن لهذين الطرفين أن يحققا تطلعات شعب كان يتطلع إليهما بالأمس فقط كأداتين للحماية والاستقرار؟ كيف لرجل مثل عبدالفتاح البرهان كان يتولى قيادة المنطقة العسكرية بدارفور ويشرف على عمليات عسكرية دموية هناك، أن يتحول بين عشية وضحاها إلى حامي الثورة والمدنية، في الوقت الذي يخوض فيه حرباً ضروساً خلفت مئات الآلاف من الضحايا في أقل من عامين؟ وكيف لمحمد حمدان دقلو الذي بدأ حياته كقائد في ميليشيات الجنجويد التي روعت الآمنين في غرب السودان، أن يقدم نفسه الآن كمنقذ ومصلح وهو يعمل على تفكيك الدولة بأكملها من أجل كرسي الرئاسة؟ إنها مهزلة سياسية وعسكرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تتقاتل فيها جهتان لا تختلفان في جوهرهما العقائدي أو في ممارساتهما الاستبدادية، ولا تختلفان إلا في شكل الشعارات التي ترفعانها لتضليل الرأي العام المحلي والدولي، والنخب السياسية المدنية تقف عاجزة بينهما إما عاجزة عن التأثير وإما مستسلمة للتقسيم والاستقطاب الذي تمارسه هذه القوى العسكرية عليها. إن هؤلاء القادة الذين يتصارعون اليوم على حطام الدولة، هم ذاتهم الذين كانوا بالأمس القريب يتعاونون في قمع المنتفضين في شوارع الخرطوم، ويمضون اتفاقيات تقاسم السلطة وكأنها صفقة تجارية، فكيف يمكن للشعب أن يثق بهم وهم لا يثقون حتى بأنفسهم، وكيف يمكن لشباب ضحوا بدمهم وأحلامهم أن يرضى بأن يكون وقوداً لحرب لا تخدم إلا طموحاتهم الشخصية، أليست هذه هي الخيانة بعينها، خيانة الأمانة وخيانة الدم وخيانة المستقبل، بينما شعوب القارة من حولنا تقدم دروساً في التضحية الوطنية التي لا تعرف الانتهازية ولا تعترف بالمحسوبيات الضيقة؟
أما عن المعارضة المدنية، وتلك القوى الثورية التي خرجت في شوارع ديسمبر 2018م وهي تهتف بحرية وكرامة، تلك التي أيقظت وجدان الأمة وأضاءت شعلة أمل في قلب كل سوداني، فقد كانت ولاتزال تعاني من أزمات وجودية تلتهمها من الداخل قبل أن تلتهمها نيران الحرب من الخارج، هذه القوى التي كان من المفترض أن تكون البديل الواضح والجامع، التي كان يفترض أن تقدم رؤية سياسية واضحة وبرنامجاً وطنياً للإنقاذ وإعادة البناء، وجدت نفسها عاجزة عن تحويل زخم الثورة الشعبية الهائل إلى قوة سياسية ضاغطة ومؤثرة، وانشغلت بالانقسامات الداخلية والخلافات الشخصية والتناحر على المناصب والمكاسب الصغيرة، بينما كانت الدولة تنهار كلياً والأطراف العسكرية تتربص بالثورة وتخطط لقلبها. قوى الحرية والتغيير التي كانت تمثل الأمل الأكبربعد إسقاط البشيرمع ايمان التام بسرقة الثورة ، دخلت في متاهات الشراكة مع العسكر ووقعت في فخ المحاصصة السياسية التي جعلتها أسيرة للتوازنات الهشة، بدلاً من أن تفرض إرادة الشارع الثائر على مؤسسات الدولة، ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021م ليكشف عن هشاشة التحالف المدني العسكري وعن ضعف القوى المدنية أمام آلة العسكر التي لا تؤمن إلا بلغة القوة، فوجدت نفسها مرة أخرى تبحث عن موطئ قدم في أرض تتغير باستمرار، تارة تقترب من الجيش وتارة تحاول التقرب من الدعم السريع، وكأنها ورقة في مهب رياح الصراع العسكري أكثر منها فاعلاً رئيسياً في المشهد السياسي، وهنا تكمن المأساة الحقيقية، فالقوى المدنية التي خرجت لإسقاط نظام واستبداد، لم تتمكن حتى من بناء تنظيم سياسي متماسك قادر على حماية نفسه من اختراق الأجهزة الأمنية التي ما فتئت تعمل على تفكيكها وشرذمتها، ولم تستطيع أن تنشئ جبهة وطنية موحدة تضم كل أطياف المجتمع السوداني وتتجاوز الانقسامات العرقية والجهوية التي لعبت بها الأطراف العسكرية كآلة لتفكيك أي تحالف مدني، وللأسف فإن لجان المقاومة التي كانت تمثل الروح الحقيقية للثورة والنخوة الشبابية التي صنعت الحدث، وجدت نفسها اليوم مشتتة بين العمل الإغاثي والإنساني في ظل انهيار الخدمات، وبين رفضها الانخراط في أي تسوية سياسية قد تكرس للعسكر أو قد تمنحهم شرعية جديدة، فهي في موقف صعب للغاية، فهي ترفض الحلول التي تأتي دون محاسبة للجناة ودون تحقيق العدالة الانتقالية، ولكنها في نفس الوقت تعجز عن تقديم بديل عملي لواقع الحرب والمعاناة، ولا تملك من القوة ما يكفي لفرض أجندتها على الأطراف المسلحة التي تملك السلاح وتحتكر القوة، ولهذا السبب نجد أن الثوار الحقيقيين، شباب الثورة، أصبحوا ضحية في حرب لا تخصهم ولا تعبر عن طموحاتهم، فإما أن يستشهدوا في قصف أو معركة لا يد لهم فيها، وإما أن يجندوا قسراً في صفوف أحد الأطراف المتقاتلة لحماية أهليهم ومجتمعاتهم، وإما أن يهجروا من بيوتهم ويصبحوا لاجئين في بلاد لا تعرفهم، وهكذا تأكل الحرب أجساد الشباب وأحلامهم في آن واحد، بينما أشباه الثوار من السياسيين والعسكريين ينعمون بالحياة في فنادق الخرطوم المتبقية أو في عواصم أجنبية، يتحدثون عن السودان وكأنهم حراس له، وهم في الحقيقة من أضاعوه بأيديهم، وهنا يأتي السؤال الذي لا مفر منه: أليس هؤلاء القادة المدنيين الذين فشلوا في توحيد صفوفهم، والذين انشغلوا بالمكاسب الشخصية على حساب القضية الوطنية، شركاء في هذه الخيانة التي تأكل شباب البلاد، تماماً كما هم العسكر شركاء في الدم والخراب؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا، ولماذا لم نتعلم من تجارب الثورات الناجحة في القارة الأفريقية، تجارب الشعوب التي استطاعت أن تحقق تحولات حقيقية وأن تنتقل من الاستبداد إلى الديمقراطية بطرق مختلفة ووسائل جديدة، فنحن لسنا أول شعب في القارة يواجه طغياناً وحكماً عسكرياً، ولسنا أول من يسعى إلى التغيير، ولكن للأسف نبدو وكأننا نعيد اختراع العجلة في كل مرة ونسقط في نفس الأخطاء التي سقطت فيها حركات تحرر في أفريقيا أخرى، ففي جنوب أفريقيا، كانت ثورة التحرر الوطني بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقي واضحة المعالم، حيث قاد نيلسون مانديلا حركة تحرر كانت تمثل الأغلبية الساحقة من الشعب ضد نظام الفصل العنصري المقيت، وقد استطاع هذا التنظيم أن يبني جبهة داخلية وخارجية ضخمة، وأن يستخدم كل وسائل النضال الممكنة، من المقاومة المسلحة في بدايتها إلى المقاومة السلمية والحوار السياسي في مراحلها الأخيرة، ولكن الأهم من ذلك هو أن الحركة كانت تملك رؤية وطنية واضحة وقيادة موحدة ومحترمة داخل الوطن وخارجه، واستطاعت أن تنهي حقبة الفصل العنصري دون أن تغرق البلاد في حرب أهلية أو صراع عرقي، وتمكنت من بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، فما الذي حدث لنا نحن السودانيين حتى عجزنا عن تكرار هذه التجربة أو الاقتراب منها؟ وفي أثيوبيا، شهدنا نموذجاً آخر للتغيير حين خرج الشباب الأثيوبي في احتجاجات واسعة عام 2018م واستطاعوا إسقاط حكم الجبهة الشعبية لتحرير تغراي بعد عقود من الحكم، وقد كان لافتاً حينها كيف استطاع الشباب الأثيوبي أن يفرضوا إرادتهم على المؤسسة العسكرية وأن يحققوا انتقالاً سياسياً غير مسبوق في تاريخ البلاد، ولكن حتى هذه التجربة لم تخل من انتكاسات، خاصة عندما انزلقت البلاد مرة أخرى إلى حرب أهلية بعد سنوات قليلة، وهذا يعلمنا أن التغيير السلمي وحده ليس كافياً إذا لم تصاحبه إرادة حقيقية لتفكيك الدولة القديمة وبناء دولة جديدة تقوم على أسس دستورية وسياسية جديدة، وأن على الثوار أن يكونوا مستعدين لحماية ثورتهم ليس فقط في الشارع ولكن في مؤسسات الدولة وفي الإدارة والسياسة، وأن ينتبهوا إلى أن العسكر سيظلون يتربصون بالثورة في كل فرصة، وأن عليهم بناء تحالفات إقليمية ودولية تحمي مكتسبات الثورة وتقطع الطريق أمام الانقلابات المضادة، ولكن الأهم من كل هذا هو أن نتعلم من هذه التجارب أن الثورات لا تنجح بعفوية الغضب ولا بشجاعة الشارع وحدها، بل تنجح بوجود مشروع وطني واضح، وقيادة مؤتمنة على الدم، وإرادة جماعية لتجاوز الخلافات الصغيرة في سبيل الهدف الأكبر، وهي كلها عناصر غابت تماماً عن المشهد السوداني، وغابت لأن القادة المدنيين والعسكريين على حد سواء فضلوا مصالحهم الشخصية والجماعية الضيقة على مصلحة الأمة، وهذا هو عين الخيانة التي يتحدث عنها العنوان.
أما التجربة التي قد تكون الأقرب إلينا من حيث السياقات الإقليمية والتركيبة الاجتماعية، فهي تجربة ثورة يناير في تونس، التي نجحت في إسقاط نظام بن علي وبناء دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، حيث كان القطاع المدني النقابي وعلى رأسه الاتحاد العام التونسي للشغل لعب دوراً محورياً في قيادة الحركة الاحتجاجية وفي إدارة المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى دور المجتمع المدني والأحزاب السياسية التي اتفقت على ميثاق وطني وطاولة حوار سياسي جمع كل الأطراف، واستطاع التونسيون أن يتجاوزوا خلافاتهم وأن يبنوا مؤسسات جديدة تعبر عن إرادة الشعب، وأن يتفقوا على دستور ديمقراطي تشاركي، ومازالت التجربة التونسية رغم انتكاساتها الأخيرة تمثل علامة فارقة في تاريخ الثورات الأفريقية، فلماذا لم نستطيع في السودان أن نسير على نفس الخطى أو حتى أن نقترب منها؟ لماذا كان المصريون والتونسيون أكثر قدرة على تنظيم أنفسهم وحماية ثورتهم منا؟ لماذا استطاعوا أن يبنوا جبهات سياسية وطنية بينما نحن انشغلنا بالخلافات الشخصية والحزبية الضيقة؟ إن الإجابة الموجعة هي أننا في السودان لم ننجح في تجاوز عقلية المحاصصة الجهوية والعرقية، ولم نتمكن من بناء تنظيم سياسي وطني يتجاوز الولاءات الضيقة، واكتفينا بالشعارات الحماسية والخطابات العاطفية دون أن نبني مؤسسات سياسية حقيقية قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية مؤثرة، وهذا هو الفرق بين الشعوب التي تصنع التاريخ والشعوب التي تكتفي بمشاهدته، بين من يملكون مشروعاً وطنياً ومن يملكون مجرد ردود أفعال، بين من يستعدون لمرحلة ما بعد التغيير ومن يظنون أن مجرد إسقاط النظام هو نهاية الطريق، بين من يتعلمون من دروس غيرهم ومن يصرون على تكرار أخطائهم وكأنهم لم يقرؤوا التاريخ ولم يشهدوا المعاناة، وهذا الفشل في الاستفادة من التجارب القارية لا يعود إلى نقص في المعلومات أو الوعي، بل يعود إلى غياب الإرادة الحقيقية للتغيير وإلى تمسك النخب بامتيازاتها القديمة حتى وهي تتحدث بلسان الثورة، وهو ما يجعل خيانة الخرطوم أكثر إيلاماً، لأنها ليست خيانة الجهل أو العجز فقط، بل خيانة المعرفة المتعمدة والإصرار على تكرار الفشل.
وهنا يأتي دور الشباب تحديداً، ذلك الشريحة الأهم والأكثر تضرراً من هذه الحرب العبثية، فالشباب السوداني هو الذي خرج في شوارع ديسمبر وهو الذي دفع أغلى الأثمان، وهو اليوم الذي يئن تحت وطأة الحرب والفقر والجوع والتشرد، وهو الذي فقد مستقبله الدراسي والمهني وتعطلت طموحاته في خضم الفوضى العارمة، ولكن ألم يحن الوقت ليقف الشباب السوداني وقفة تأمل جادة، ليس فقط للبكاء على ما فات أو لوم الآخرين، ولكن لإعادة النظر في أساليب ووسائل النضال التي لم تجدِ نفعاً حتى الآن؟ ألم يحن الوقت ليبتكر الشباب وسائل جديدة للنضال تتناسب مع التحديات المعاصرة وتستفيد من التطورات التكنولوجية والاتصالية التي غيرت وجه العالم؟ فاليوم لم يعد النضال محصوراً في حمل السلاح أو النزول إلى الشارع فقط، بل أصبحت هناك ساحات أخرى للنضال ربما تكون أكثر فعالية وأقل ثمناً من حيث الأرواح، وأنا هنا لا أدعو الشباب إلى الجلوس مكتوفي الأيدي أو الاستسلام للواقع المرير، ولكن أدعوهم إلى التفكير خارج الصندوق، إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة أكثر تنظيماً وفعالية، إلى بناء شبكات تواصل وتضامن مع القوى الديمقراطية في العالم، إلى توثيق الجرائم والانتهاكات بطريقة قانونية تمكنهم من ملاحقة الجناة دولياً، إلى تشكيل لجان وطنية ليس فقط للإغاثة والإنسانية ولكن للنضال السياسي والضغط الدبلوماسي، إلى ابتكار آليات للمقاومة المدنية الشاملة التي أثبتت نجاحها في أكثر من مكان في العالم، وألا يظل الشباب رهينة للأطراف السياسية والعسكرية التي تستخدمهم كوقود لحروبها وصراعاتها، فعلى الشباب أن يدركوا أنهم هم السلطة الحقيقية في النهاية، وأن قوتهم ليست في أعدادهم فقط بل في وعيهم وتنظيمهم وقدرتهم على تجاوز الخلافات والالتفاف حول برنامج وطني واضح، يحتوي كل السودانيين ويلملم جراحهم ويعيد بناء دولتهم على أسس جديدة، ولا يقبل أي حل أو ترتيب سياسي لا يعطيهم دوراً محورياً في تقرير مصيرهم ومستقبل بلدهم، وهذا يتطلب جرأة وشجاعة من نوع خاص، شجاعة الرفض ليس فقط للاستبداد العسكري ولكن أيضاً لسيطرة النخب السياسية التقليدية المستهلكة التي أثبتت عجزها عن قيادة البلاد إلى بر الأمان، شجاعة الإبداع واقتحام مجالات جديدة لم يدخلها من قبل، شجاعة القول لا لكل من يحاول أن يركب الموجة باسمهم وينسب إنجازاتهم لنفسه، فهم يستحقون أن يكونوا صناع القرار الحقيقيين، لأنهم من دفعوا الثمن ومن سيعيشون المستقبل، ولا يحق لأحد أن يسرق منهم حلمهم أو يخطف منهم وطنهم، وقد حان الوقت لأن يبتكر هؤلاء الشباب وسائل جديدة للنضال لا تعتمد على القيادات التقليدية التي خانتهم، ولا على السلاح الذي لا يملكونه، بل على المعرفة والتكنولوجيا والشبكات العالمية والإرادة الصلبة التي لا تلين، وهي وسائل قد تكون أكثر فعالية من الرصاص في عصر أصبحت فيه الصورة أقوى من القنبلة، والكلمة أبلغ من المدافع، والتضامن الدولي أكثر تأثيراً من التحالفات الجهوية التي لا تهمها سوى مصالحها.
في النهاية، وقبل أن أختم حديثي، يجب أن نعترف بأن كل الأطراف المعنية بهذا الصراع الدموي، سواء كانت عسكرية أو مدنية، عليها أن تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذه الكارثة الإنسانية التي تمر بها البلاد، فالعسكر بجناحيه يتحملون المسؤولية الأكبر عن إشعال الحرب وتدمير الدولة والبنية التحتية، وعن دفع البلاد إلى حافة الهاوية، ولكن القوى المدنية أيضاً تتحمل جزءاً من المسؤولية عن فشلها في توحيد صفوفها وبناء تحالفات قوية، وعن انغماسها في الصراعات الصغيرة والانقسامات العقيمة بينما الوطن يحترق، وعن عجزها عن تقديم بديل سياسي واضح وجذاب يستطيع أن يجمع السودانيين حوله ويحول دون استمرار الحرب، ولكن اللوم الأكبر يجب أن يظل موجهاً لأولئك الذين يتحكمون بمصير الملايين من وراء مكاتبهم وهم لا يدركون ولا يبالون بمعاناة أولئك الذين يدفعون الثمن، ولن يتحقق أي تقدم في السودان دون أن يشعر كل طرف بأنه خاسر في هذه الحرب، وأن الخاسر الأكبر هو الشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً لا يمكن تعويضه من جراء فشل جميع المعارضات في تحقيق تطلعاته المشروعة، وأن الأمل لا يزال موجوداً في ذلك الجيل الجديد من الشباب الذين يمكنهم أن يبتكروا وسائل جديدة للنضال ويصنعوا مستقبلاً جديداً، إذا توفرت لديهم الإرادة والتجرد والوعي الكافي بتجارب الشعوب الأخرى، فثورتنا لم تنته بعد، بل هي تحتاج فقط إلى قيادة جديدة ووسائل جديدة وروح جديدة، وأولى خطوات هذه القيادة الجديدة هي المصالحة الوطنية الحقيقية التي لا تقصي أحداً، والتي تبني دولة المواطنة والقانون والكرامة التي حلمنا بها جميعاً، ونحن على ثقة بأن شبابنا القادر على التضحية سيكون قادراً على البناء إذا ما توفرت له الظروف المناسبة والإرادة السياسية الصادقة، ولكن الثقة وحدها لا تكفي، بل لا بد من العمل، ولا بد من الابتكار، ولا بد من التحرر من وصاية النخب الفاشلة التي أضاعت البلاد، فالشباب هم القادرون على إعادة كتابة التاريخ، إذا امتلكوا الشجاعة لقلب الصفحة، وليس فقط إعادة قراءة ما كتبه الآخرون.
بتاريخ5يوليو2026م



