انهيار الأدلة وملاحقة الجناة: قراءة نقدية في إسقاط المحكمة الجنائية الدولية لقضية عبد الله بندا

بقلم :أ/ عبدالماجدالطاهرمحمداحمد (صمت القبور)
في تطور قانوني حمل الكثير من المفارقات والتناقضات، أنهت الدائرة التمهيدية الرابعة في المحكمة الجنائية الدولية، في الثالث والعشرين من يوليو عام 2026م، الإجراءات القانونية بحق القيادي السابق في حركة العدل والمساواة، عبد الله بندا، بعد أن بادر الادعاء العام إلى سحب التهم الموجهة إليه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. تعود جذور هذه القضية إلى هجوم دموي وقع في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 2007م، حين استهدفت قوة مسلحة قاعدة “حسكنيتا” التابعة لبعثة الاتحاد الإفريقي في إقليم دارفور، مما أسفر عن مقتل اثني عشر جندياً من قوات حفظ السلام وإصابة عدد آخر بجروح بالغة. ورغم أن المحكمة كانت قد أصدرت مذكرة توقيف بحق بندا في عام 2011م، واستمرت التحقيقات والإجراءات التمهيدية لأكثر من عقد ونصف، فإن الادعاء وجد نفسه مضطراً إلى الاعتراف بأن الأدلة لم تعد كافية لتقديم المتهم إلى المحاكمة، معلناً أن “لم تعد هناك أسباب جوهرية تدعو للاعتقاد بأن السيد بندا مسؤول عن الجرائم المنسوبة إليه”. هذا القرار، الذي وافقت عليه الدائرة القضائية تجنباً لما وصفته بـ”إهدار العدالة”، يفتح الباب أمام تساؤلات إشكالية عميقة حول فعالية العدالة الجنائية الدولية، ومدى قدرتها على تحقيق الردع والإنصاف في الصراعات الممتدة لعقود، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السوداني الراهن، حيث تتصارع آليات القانون مع مراوغات السياسة وتقلبات الأدلة.
إن الوقوف بتأنٍ عند حيثيات سحب الادعاء للتهم يكشف عن أزمة بنيوية حادة في نظام الإثبات الجنائي الدولي، تلك الأزمة التي تتضاعف حدتها كلما امتدت القضايا لسنوات طويلة، وتشابكت فيها المصالح السياسية وتغيرت موازين القوى على الأرض. فقد ارتكز قرار الادعاء على ثلاثة عوامل رئيسية تآكلت بفعلها الأدلة بشكل لا يمكن معه تحقيق الإدانة وفق معايير اليقين الجنائي التي تتطلبها المحكمة.
● أول هذه العوامل يتمثل في فقدان الشهود وعدم تعاونهم، إذ أصبح بعض الشهود الرئيسيين غير متاحين إما لوفاتهم أو لتغيير أماكن إقامتهم أو لرفضهم القاطع الاستمرار في التعاون مع الادعاء بعد أن تعرض كثيرون منهم لضغوط نفسية واجتماعية وأمنية هائلة على مدار السنوات الماضية.
وهذا الواقع يطرح إشكالية كبرى تتعلق بحماية الشهود في النزاعات المسلحة، حيث تفتقر الآليات الدولية إلى قدرة حقيقية على ضمان سلامة من يدلون بشهاداتهم، خاصة في بيئات لا تزال مشتعلة بالصراع كدارفور.
● أما العامل الثاني والأكثر إثارة للجدل، فهو التشكيك الجوهري في مصداقية شاهدين رئيسيين كان من المفترض أن يثبتا علم بندا المسبق بالهجوم غير القانوني ومسؤوليته العليا عنه، إذ تبين لاحقاً أن أحدهما تصرف بطريقة غير نزيهة، وتلاعب بالحقائق، مما أفقد شهادته أي قيمة إثباتية، وأصاب نظرية الادعاء الأساسية باهتزاز خطير.
● ويضاف إلى ذلك العامل الثالث المتمثل في ظهور أدلة جديدة من شأنها أن تبرئ المتهم، وتقدم رواية مغايرة للأحداث، وتؤكد أن الإبقاء على القضية قد يؤدي إلى إدانة خاطئة، وهو ما يتنافى مع مبدأ العدالة الذي تقوم عليه المحكمة. وقد عبرت الدائرة القضائية عن استغرابها من عدم تمكن الادعاء من تقديم أدلة ملموسة على تدهور الأدلة إلى الدرجة التي تمنع المحاكمة، إلا أنها في النهاية وافقت على سحب التهم، مشددة على أن هذا القرار جاء “لمنع وقوع ظلم” محتمل بحق المتهم، وليس انتصاراً له على حساب الضحايا. لكن هذا الموقف المتزن ظاهرياً يعكس في جوهره تناقضاً مأساوياً بين مبدأ “العدالة المتأخرة” ومبدأ “حق المتهم في محاكمة عادلة خلال مهلة معقولة”، حيث غلب الثاني في هذه القضية بالذات، تاركاً وراءه شعوراً عميقاً بالمرارة والإحباط لدى الضحايا وأسرهم الذين ظلوا ينتظرون العدالة لنحو عقدين من الزمن، ليأتيهم القرار بإسقاط التهم دون أن يقدموا على المحاكمة، ودون أن يسمعوا حكماً قضائياً يقرر إدانة أو براءة، بل مجرد سحب من جانب الادعاء استند إلى اعتبارات إجرائية بحتة.
غير أن دلالات هذا القرار تتجاوز بكثير حدود قضية فردية، مهما كانت أهميتها، لتلامس جوهر العلاقة بين النظام القضائي الدولي والدول التي تشهد نزاعات مسلحة، والطرق التي تستطيع بها حكومات مثل الحكومة السودانية توظيف آليات العدالة الدولية لخدمة أجنداتها السياسية، والهروب في الوقت نفسه من عقاب الجرائم التاريخية والجارية. فالخرطوم، التي طالما اتُهمت بالتلكؤ والتعنت في التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، تبدو اليوم وقد اكتسبت وعياً قانونياً وسياسياً متطوراً يمكنها من توظيف القضاء الدولي كسلاح ذي حدين: حد تستخدمه ضد خصومها في الصراع الدائر حالياً، وحد تحتمي به من ملاحقات تطال رموز نظامها السابق. وتتجلى هذه الآلية في مشهدين متوازيين.
● أولهما التعاون الانتقائي الاستراتيجي مع المحكمة، حيث أعلنت الحكومة السودانية مراراً التزامها الكامل بقرار مجلس الأمن رقم 1593، وسمحت بزيارات ميدانية للمحققين الدوليين، ولقاءات مع شهود في مخيمات النزوح، وقدمت تسهيلات لوجستية لبعثات المحكمة. لكن هذا التعاون، الذي يبدو إيجابياً في ظاهره، يخدم استراتيجية أوسع تهدف إلى تقديم السودان كدولة ملتزمة بالقانون الدولي، مما قد يقلل من الضغوط الدولية ويعزز موقفها الدبلوماسي، وفي الوقت نفسه تمنحها غطاءً أخلاقياً وسياسياً لمطالبة المحكمة بالإسراع في إصدار مذكرات توقيف بحق قادة قوات الدعم السريع، الذين باتوا يشكلون الخصم الرئيسي في الحرب المستعرة منذ أبريل 2023م. وهنا تبرز المفارقة الأعمق، فالحكومة السودانية التي كانت حتى وقت قريب طرفاً في قضايا المحكمة، تنقلب اليوم مدعيةً ضد خصومها، وتستعمل خطاباً حقوقياً متقدماً في وصف جرائمهم بأنها “إبادة جماعية”، وتطلب من المجتمع الدولي تصنيف مليشيا الدعم السريع كجماعة إرهابية، في مسعى واضح لتحويل العدالة الدولية إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية، وتشتيت جهود المحكمة عن محاكمة المتهمين التاريخيين من نظام عمر البشير. وقد ذهبت الخرطوم إلى أبعد من ذلك، حين رفعت شكاوى للمحكمة تتهم فيها دولاً إقليمية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال، وطالبت بالتحقيق مع وسائل إعلام مثل “سكاي نيوز عربية” لنشرها ما وصفته بتقارير منحازة، في محاولة لتوسيع دائرة الاتهامات وإرباك مسار العدالة الدولية.
● أما المشهد الموازي للتعاون الانتقائي، فيتمثل في الاستفادة من تقادم القضايا كعقبة هيكلية تعيق سير العدالة، وقد برعت الخرطوم في تسويق هذه الاستراتيجية عبر سنوات طويلة. فقضية عبد الله بندا لم تكن الأولى من نوعها، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من القضايا التي تآكلت فيها الأدلة وتلاشى الشهود أمام مرأى من المحكمة، دون أن تتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فمذكرات التوقيف التي لا تزال معلقة بحق الرئيس السابق عمر البشير، واحمد هارون، وعبد الرحيم حسين، وغيرهم التي صدرت في عامي 2009م و2010م، أي قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، ومازالت دون تنفيذ، والجهود التي بذلها الادعاء لجمع الأدلات خلال هذه الفترة كانت تصطدم باستمرار بتعنت الخرطوم تارة، وبعدم تعاون المجتمع الدولي تارة أخرى، وبصعوبة الوصول إلى الشهود الذين يعيش كثيرون منهم في مخيمات النزوح تحت ضغوط أمنية ونفسية لا تحتمل. ومع استمرار الحرب في السودان واشتعال جبهات جديدة، تتضاعف صعوبة الحفاظ على الأدلة، فتختفي وثائق، وتتلف معالم مواقع الجرائم، وتتغير ولاءات الشهود، ويتعرض كثيرون للتهديد أو النزوح القسري، وهو ما يجعل إعادة بناء الوقائع شبه مستحيلة. ومن هنا، فإن سرعة تدهور الأدلة القديمة تمنح النظام فرصة ذهبية للتهرب من المساءلة التاريخية، بينما يبقى على المحك أن تناضل من أجل تحقيق العدالة في جرائم جديدة ترتكب يومياً في دارفور وغيرها من ولايات السودان، وكأنها تسابق الزمن الذي لا يخدمها قط.
غير أن التداعيات الأكثر خطورة لهذا القرار لا تتعلق فقط بالملاحقات القضائية الفردية، بل تمتد لتشمل رسالة الردع التي تفترض المحكمة الجنائية الدولية إرسالها للمجرمين المحتملين في المستقبل. فعندما يرى قادة الميليشيات والفصائل المسلحة في السودان وفي مناطق النزاع الأخرى أن قضية مثل قضية بندا، التي استمرت تحقيقاتها لنحو عقدين، تنهار في النهاية بسبب ضعف الأدلة وعدم تعاون الشهود، فإنهم سيستنتجون بشكل أو بآخر أن الجرائم التي يرتكبونها اليوم قد تضيع في متاهات الزمن والإجراءات، وأن المحكمة ليست بالقوة الكافية لملاحقتهم بفعالية، خاصة إذا ما امتلكوا القدرة على التأثير على الشهود أو إخفاء الأدلة. هذه الرسالة القاتلة للردع تجعل من العدالة الدولية مجرد أداة رمزية لا ترهب المجرمين، بل قد تشجعهم على المضيّ في جرائمهم وهم يدركون أن العقاب، إذا جاء، قد يتأخر لعقود، وأن الأدلة قد تتبخر قبل أن تصل القضية إلى مرحلة المحاكمة الفعلية. والأدهى من ذلك أن القرار يمنح الحكومات التي تسعى للإفلات من العقاب حجة إضافية لتشكيك في مصداقية المحكمة، وتصورها كأداة انتقائية تخضع للمزاج السياسي للدول الكبرى، وتتخلى عن قضاياها بمجرد أن تواجه صعوبات إجرائية، وهو ما يغذي خطاباً شعبوياً معادياً للقضاء الدولي في كثير من بلدان الجنوب العالمي.
ومن زاوية أخرى، تعكس قضية بندا إخفاقاً في الجانب الإنساني للعدالة الانتقالية، الذي يفترض أن يشمل ليس فقط معاقبة المذنبين، بل أيضاً الاعتراف بمعاناة الضحايا وإعادة الاعتبار لهم. فقد ظل أقارب الجنود الإثني عشر الذين قتلوا في هجوم حسكنيتا ينتظرون طوال هذه السنوات لحظة سيطَّلعون فيها على حقيقة ما جرى، ومن المسؤول عن قتل أبنائهم، وفي أي سياق وقع الهجوم، لكنهم خرجوا في النهاية بلا إجابة، وبقرار يخبرهم ببساطة أن الأدلة لم تعد كافية، دون أن يقدموا على المحاكمة ليروا وجهاً لوجه من يتهم بقتل أبنائهم، ودون أن يسمعوا دفاعاً أو اتهاماً، وكأن دماء أبنائهم لم تكن كافية لتستمر القضية إلى النهاية. هذه الصدمة الإنسانية تضاف إلى صدمات لا حصر لها عاشها السودانيين في دارفور وفي غيرها من المناطق، حيث تظل الجرائم دون عقاب، وتضيع الحقوق في دهاليز الإجراءات القانونية المرهقة، ويتحول الضحايا إلى مجرد أرقام في تقارير المحكمة التي لا تفضي في النهاية إلى نتيجة مرضية. وهو ما يطرح سؤالاً أخلاقياً مؤلماً: هل العدالة الدولية تخدم فعلاً الضحايا، أم أنها تخدم في المقام الأول إجراءاتها وبروتوكولاتها، بحيث يظل المتهم طليقاً والأدلة متآكلة والشهود مشتتين، ولا يبقى سوى قرار بسحب التهم يطوى به الملف وكأن شيئاً لم يكن؟
في ضوء هذه المعضلات المتشابكة، يصبح من الضروري إعادة التفكير في آليات عمل المحكمة الجنائية الدولية، ليس فقط من حيث سرعة الإجراءات وضمان حماية الشهود، بل أيضاً من حيث موازنتها بين متطلبات العدالة ومتطلبات السياسة. فالسودان، الذي تحول إلى مسرح لصراع معقد بين الجيش وقوات الدعم السريع، يقدم مثالاً حياً على كيفية تسييس العدالة الدولية، وكيف يمكن للحكومات أن توظف القضاء الدولي لخدمة أهدافها، في الوقت الذي تفلت فيه من العقاب بفضل ثغرات الإثبات وتقادم الأحداث. والواقع أن المحكمة بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية في منهجيتها، تمكنها من التعامل بشكل أكثر مرونة مع قضايا النزاعات الطويلة، ربما من خلال اعتماد تقنيات حديثة لحفظ الأدلة الرقمية، وتوثيق الشهادات بصيغ تضمن بقاءها حتى لو تغيرت ظروف الشهود، ومن خلال تشديد العقوبات على الدول التي تعرقل عملها، وربط التعاون معها بآليات جزاء فعلية وليس فقط بإعلانات النوايا الحسنة. كما أن على المجتمع الدولي، ممثلاً في مجلس الأمن، أن يتحمل مسؤولية أكبر في دعم عمل المحكمة، ليس فقط بإصدار القرارات، بل بتوفير الموارد اللازمة لحماية الشهود، وجمع الأدلة، وتعزيز قدرات الادعاء، بحيث لا تبقى العدالة الدولية رهينة لتقلبات الزمن وتناقضات السياسة.
إن قضية عبد الله بندا ليست مجرد إسقاط تهم بحق متهم واحد، بل هي مرآة عاكسة لأزمة العدالة الجنائية الدولية في العقدين الأخيرين، حيث ظلت المحكمة الجنائية الدولية تصارع للخروج من دائرة الاتهامات بالانتقائية، وبالعجز عن تحقيق العدالة الشاملة، وبأنها أصبحت أداة في أيدي القوى الكبرى أكثر منها مؤسسة قضائية مستقلة تسعى للحقيقة. وفي الوقت الذي تستمر فيه المعاناة في دارفور وفي غيرها من بقاع السودان، وتتوالى الجرائم دون رادع، تظل رسالة قضية بندا واضحة وصاخبة: في غياب آلية فعالة لحفظ الأدلة وحماية الشهود، وفي ظل تسييس العدالة الدولية واستغلال الحكومات لها، وفي ظل بطء الإجراءات الذي يقتل الأدلة قبل أن تصل إلى قاعة المحكمة، ستبقى المحكمة الجنائية الدولية أداة غير كافية لكسر دائرة الإفلات من العقاب في الصراعات الممتدة لعقود. وربما يكون الأكثر إيلاماً من ذلك، أن تظل أحلام الضحايا في العدالة معلقة بين سماء القانون الدولي وأرض الواقع السوداني المتعثر، وأن يظل السؤال الأكبر دون إجابة: هل يمكن لأي محكمة، مهما كانت قوتها، أن تحقق العدالة في بلد مزقته الحروب واختلطت فيه الدماء بالسياسة، وتاهت فيه الحقيقة بين ركام الاتهامات وضباب الزمن؟
بتاريخ 24يوليو2026م
abdualmajidaltahirmohamad@gmail.com



