انهيار الجنيه السوداني: قراءة في الأسباب وسبل التعافي

بقلم: أ/ عبدالماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
شهد الجنيه السوداني في أسبوعين فقط انهياراً تجاوزت نسبته 30%، ليصل سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت حاجز 5500 جنيه، وسط حالة من الذهول والارتباك اجتاحت المواطنين والمتعاملين على حد سواء. هذا التراجع الحاد لم يأتِ فجأة، بل هو تتويج لمسار تراكمي من السياسات النقدية الخاطئة والتداعيات الكارثية للحرب التي اندلعت في أبريل 2023م، والتي حولت الاقتصاد السوداني من اقتصاد واعد إلى حلقة مفرغة من التضخم والانهيار. إن هذا المشهد ليس مجرد متغير رقمي عابر في أسعار الصرف، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة تهدد تماسك الدولة اقتصادياً واجتماعياً، وتنذر بمستقبل قاتم إذا لم تتخذ الإجراءات الجذرية العاجلة. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الانهيار السريع والمذل؟ وهل يمكن للعملة الوطنية أن تستعيد جزءاً من كرامتها وقيمتها؟ وما هي الحلول العلمية والقانونية الممكنة التي يمكن أن تنقذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟
☆ جذور الأزمة: بين التمويل بالعجز والصراع على السيادة النقدية
للوقوف على جذور هذه الأزمة، لا بد من العودة إلى العامل الأكثر تأثيراً وتدميراً، ألا وهو سياسة التمويل بالعجز التي انتهجتها الحكومة لسنوات، وازدادت حدتها بشكل كبير مع اندلاع الحرب. ففي غياب الإيرادات الكافية وانهيار القاعدة الإنتاجية، لجأت الدولة إلى “طباعة النقود” بكميات هائلة لتغطية النفقات العسكرية الضخمة ومرتبات الموظفين والالتزامات الجارية، دون أي غطاء إنتاجي أو احتياطي حقيقي يعزز قيمة هذه الكتلة النقدية المتضخمة. وقد أكد خبراء اقتصاديين أن هذه السياسة هي العامل المباشر والأكثر تدميراً للقيمة الحقيقية للجنيه، فالدولة وحدها تملك مفاتيح هذه الآلة الخطيرة، ومع كل إصدار نقدي جديد يضخ في السوق دون مقابل حقيقي من سلع أو خدمات، تتآكل قيمة العملة وتتسع فجوة التضخم بشكل يصعب السيطرة عليه.
غير أن الأزمة تجاوزت اليوم حدود السياسات النقدية الخاطئة لتتحول إلى صراع على السيادة النقدية بين طرفي الحرب، مما جعل الجنيه سلاحاً في المعركة. ففي نوفمبر 2024م، أقدم بنك السودان المركزي التابع للحكومة على تغيير العملة الورقية لفئتي الـ 500 والـ 1000 جنيه، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى تجفيف منابع التمويل لقوات الدعم السريع ومنع تداول الأموال المنهوبة. وفي المقابل، رفضت قوات الدعم السريع هذا الإجراء، ومنعت تداول الطبعات الجديدة في مناطق سيطرتها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بالإعلان عن تأسيس “بنك المستقبل” ونظام مصرفي موازٍ، في خطوة تعكس بوادر ما يعرف بـ”الاقتصاد المزدوج” في السودان. وهكذا تحول الجنيه من وسيلة للتبادل التجاري وحفظ القيمة إلى ساحة معركة سيادية، يدفع كلفة انقسامها الفوضوي المواطن العادي من قوته اليومي ومدخرات حياته.
إلى جانب هذين العاملين، هناك عوامل بنيوية أخرى أسهمت في تعميق الأزمة ودفع العملة نحو الهاوية، من أبرزها انهيار الإنتاج المحلي في قطاعي الزراعة والصناعة، وفقدان السودان لأكثر من 70% من أراضيه المروية، إضافة إلى خسائر زراعية فادحة، وهو ما حول البلاد من دولة مصدرة للغذاء إلى دولة مستهلكة تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد. كما أن تدفق العملة خارج النظام المصرفي، حيث يقدّر أن أكثر من 70% من الكتلة النقدية أصبحت متداولة خارج البنوك، جعل السياسة النقدية عاجزة تماماً عن التأثير في السوق، وزاد من نفوذ السوق الموازي والمضاربين الذين يتحكمون في سعر الصرف وفقاً لمزاجهم ومصالحهم الضيقة.
☆ انقسام المؤسسات وتعدد الحكومات: حين تفقد الدولة ظهرها الاقتصادي
غير أن التحليل يظل ناقصاً إذا لم نتطرق إلى أخطر تداعيات حرب 15 أبريل 2023م، ألا وهي تفكك مؤسسات الدولة الاقتصادية وتعدد مراكز القرار السيادي. فالسودان لم يفقد فقط نصف أراضيه الزراعية أو مناطقه الصناعية، بل فقد المرجعية الواحدة التي كانت تنظم السياسة النقدية والتجارية وتحصيل الإيرادات. فمع انقسام السلطة بين الجيش والدعم السريع، أصبحت المؤسسات الاقتصادية الكبرى، كالبنك المركزي ووزارة المالية وهيئة الجمارك، تعمل في ظل ولايات متصارعة، إن لم نقل في ظل إدارات متوازية متناحرة.
هذا التشرذم المؤسسي أنتج ثلاثة مآلات كارثية:
☆ أولاً: غياب الرقابة على حدود الدولة. فمع فقدان السيطرة على المعابر البرية والجوية والبحرية في بعض المناطق، أصبح تهريب العملة والذهب والبضائع عملية منظمة، بل باتت بعض المعابر مصدر تمويل لأطراف النزاع، بعيداً عن أي سجلات رسمية أو رقابة جمركية. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من تدفقات النقد الأجنبي لم يعد يمر عبر ميزان المدفوعات، مما يجعل أي سياسة نقدية أشبه بـ”معالجة مريض دون معرفة حجم نزيفه الحقيقي”.
☆ ثانياً: تكاثر الحكومات في دولة واحدة. فإلى جانب الحكومة المركزية في بورتسودان، ظهرت إدارات مدنية وعسكرية في الولايات التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بعضها بدأ في تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية بشكل مستقل، وإصدار تراخيص تجارية، بل والتفاوض مع شركات أجنبية بشأن الموارد الطبيعية في مناطق نفوذه. هذا التعدد لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل تحول إلى أزمة سيادة نقدية حقيقية، حيث بات المواطن والتاجر يواجهان سعرين للصرف، ونظامين ضريبيين، وقناتين للتحويل، وأحياناً عملتين (بين الطبعات القديمة والجديدة) في آن واحد.
☆ ثالثاً: انهيار وظائف الدولة الأساسية في تحصيل الإيرادات. فمع تشتت الأجهزة التنفيذية، تراجعت قدرة الحكومة على تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية بشكل دراماتيكي، حيث فقدت سيطرتها على معظم المنافذ الحدودية الرئيسية ومراكز الإنتاج النفطي والزراعي. وقد أشارت تقديرات إلى أن الإيرادات العامة للدولة انهارت بأكثر من 60% منذ اندلاع الحرب، بينما ظلت الالتزامات مرتفعة، مما دفع البنك المركزي إلى مضاعفة التمويل بالعجز كخيار وحيد لتغطية الفجوة، وهو ما أكمل حلقة الانهيار.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: الدولة التي فقدت قدرتها على تحصيل الإيرادات هي ذاتها الدولة التي تضطر إلى طباعة النقود، والدولة التي فقدت سيطرتها على حدودها هي ذاتها الدولة التي تريد تنظيم تدفق العملات. إن استمرار هذا التعدد المؤسسي والصراع على شرعية إدارة الموارد يعني استمرار انقسام السوق النقدي نفسه، وهو ما يجعل أي إصلاح اقتصادي مهما كان هندسياً دقيقاً، مجرد وصفة طبية تُعطى لجسد ممزق، لن تجدي نفعاً دون وقف النزيف السياسي والمؤسسي أولاً.
لذا، فإن الحديث عن التعافي الاقتصادي دون معالجة هذا التصدع المؤسسي هو أشبه ببناء طابق فوق أساس منهار. إعادة توحيد المؤسسات الاقتصادية، واستعادة هيبة الدولة على منافذها وإيراداتها، والاتفاق على مرجعية نقدية واحدة، كلها شروط مسبقة، لا لاحقة، لأي برنامج إنقاذي جاد. وبدونها، سيكون الجنيه رهينة لحسابات سياسية وعسكرية، وليس لمعادلات اقتصادية موضوعية.
☆ هل التراجع قابل للتراجع؟
أما فيما يتعلق بإمكانية تراجع هذا الانهيار وعودة العملة إلى مسارها الصحيح، فإن الإجابة هي نعم، التراجع قابل للتراجع، لكن بشروط صارمة وتدابير استثنائية لا تحتمل التأخير أو التردد. فالتعافي لا يمكن أن يكون لحظياً أو سحرياً، بل يتطلب حزمة متكاملة من السياسات المالية والنقدية التي تعيد الثقة بالعملة الوطنية وتنشط الإنتاج وتحد من الطلب غير العقلاني على النقد الأجنبي. ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين ونعترف أن استمرار الحرب يُعد العقبة الأكبر أمام أي إصلاح، فطالما يستمر الصراع المسلح وتهريب الذهب والموارد وغياب هيبة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها، سيبقى الجنيه عرضة للانهيار في أي لحظة. ولكن مع توفر الإرادة السياسية الحقيقية لوقف النزيف المالي وإعادة هيكلة السياسات، يمكن للجنيه أن يستعيد جزءاً من قيمته تدريجياً، خاصة إذا اقترنت الإصلاحات بتحسن ملحوظ في الأوضاع الأمنية وعودة الثقة المتراكمة في القطاع المصرفي، الأمر الذي قد يستغرق شهوراً بل سنوات من الصبر والعمل الجاد.
☆ خارطة طريق التعافي: حلول متكاملة لأزمة متجذرة
وحول الحلول الاقتصادية الممكنة، يجمع الخبراء والمصرفيين والاقتصاديين المستقلين على أن حل أزمة العملة لا يمكن أن يتم عبر حل واحد أو إجراء منفرد، بل يتطلب نهجاً متعدد الأبعاد وبحزمة متدرجة من الإجراءات المتكاملة التي تتعامل مع الأعراض والجذور في آن واحد.
● أول هذه الحلول وأهمها هو الوقف الفوري لسياسة التمويل بالعجز، وهو الشرط الأساسي الذي لا غنى عنه لأي إصلاح حقيقي. يجب على الحكومة أن تتخذ قراراً شجاعاً بوقف الاقتراض من البنك المركزي تماماً، واللجوء بدلاً من ذلك إلى خفض النفقات غير الضرورية، وترشيد الدعم، وإعادة هيكلة المرتبات بما يتناسب مع القدرات الفعلية للدولة. كما ينبغي العمل على رفع أسعار الفائدة لامتصاص السيولة الزائدة من السوق وتقليل الكتلة النقدية المتداولة. بالطبع، هذه الخطوة ستكون مؤلمة في المدى القصير، لكنها ضرورية لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار الكامل.
● ثانياً: منح البنك المركزي استقلالية حقيقية تمكنه من أداء وظائفه في تحقيق الاستقرار النقدي بعيداً عن ضغوط تمويل عجز الموازنة. فقد أسهم ضعف استقلالية البنك المركزي في تقليل فعالية السياسة النقدية، إذ جرى توجيهها أحياناً لتمويل الإنفاق الحكومي بدلاً من تحقيق الاستقرار النقدي، وهما متناقضان في الأثر على سعر الصرف.
● ثالثاً: استعادة الثقة بالنظام المصرفي عبر تنفيذ عملية استبدال نقدي مدروسة، تهدف إلى إجبار حائزي النقود خارج البنوك على إيداعها في الجهاز المصرفي، مما يعيد السيولة إلى القنوات الرسمية ويمكّن البنك المركزي من ممارسة سيطرته على السياسة النقدية بشكل فعال. غير أن نجاح هذه العملية في الظروف الراهنة يتطلب تنسيقاً واسعاً وحملات توعية، وتجنب أي إجراءات أحادية الجانب قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام النقدي.
● رابعاً: تنظيم تجارة الذهب ومكافحة التهريب بكل حزم وقوة، فالذهب يُعد المورد الاستراتيجي الأهم للسودان، لكن تهريبه عبر الحدود يفوّت على الدولة مليارات الدولارات سنوياً. الحل الأمثل يكمن في إنشاء بورصة منظمة ومحكمة للذهب، تضبط آليات التسعير والتسوية المصرفية وتجعل التعامل مع الذهب عبر القنوات الرسمية أكثر جذباً وأماناً من التهريب، مع تفعيل دور أجهزة مكافحة التهريب بشكل جدي.
● خامساً: إدارة سعر الصرف بمرونة ذكية بدلاً من التمسك بسعر صرف جامد لا يعكس واقع السوق، وهو ما يغذي المضاربات ويوسع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي. ينصح الخبراء بتبني نظام سعر صرف مرن مُدار، يُقرّب السعر الرسمي تدريجياً من السوق الموازي لتقليص الفجوة، لكن هذه الخطوة تتطلب بناء احتياطيات كافية من النقد الأجنبي لتكون قادرة على التدخل في السوق عند الحاجة.
● سادساً: إصلاح هيكل التجارة الخارجية بشكل جذري، ويتطلب ذلك تقييد استيراد السلع الكمالية مؤقتاً لتقليل الطلب على الدولار، مع تشجيع الصادرات غير النفطية، والانتقال إلى مقايضات تجارية بعملات بديلة لتخفيف الضغط على الدولار. كما أن تحفيز تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية من خلال تقديم حوافز مصرفية جذابة، هو عنصر أساسي لزيادة تدفق العملة الصعبة وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية.
☆ بين الإرادة السياسية والهاوية الاقتصادية
في الختام، إن أزمة الجنيه السوداني ليست قدراً محتوماً أو كارثة طبيعية لا يد للإنسان فيها، بل هي نتاج سياسات خاطئة تراكمت لعقود، وانفجرت في وجه الجميع مع أول هزة عسكرية. التراجع الحاد في أسعار الصرف هو إنذار خطير يرن في آذان المسؤولين والمواطنين على حد سواء، لكنه ليس النهاية، ولا يجب أن يكون كذلك. الحل الأمثل والأنجع يكمن في الإرادة السياسية الصادقة لتنفيذ إصلاحات جذرية تبدأ بوقف طباعة النقود فوراً، مروراً بتنظيم قطاع الذهب وإنشاء بورصة محكمة، وإعادة هيكلة السياسات التجارية والنقدية، ووصولاً إلى استعادة الثقة بالنظام المصرفي. النافذة ما زالت مفتوحة، لكن الوقت يضيق بشكل مقلق، واستمرار الوضع الراهن دون اتخاذ أي إجراء يعني انزلاقاً أعمق نحو الهاوية الاقتصادية، وهو سيناريو لا يمكن لأي بلد أن يتحمله، ولا لأي شعب أن يصبر عليه، دون أن يدفع ثمنه غالياً في صورة تفكك اجتماعي وانهيار للخدمات الأساسية ونزوح واسع وفقدان للأمل في مستقبل أفضل. إن خيار الإصلاح صعب وشاق، لكن الخيار الآخر، وهو الاستمرار في السير على نفس المنحدر، هو الأصعب والأكثر تدميراً بكل المقاييس.
بتاريخ 23 يونيو 2026م



